مقالات القراء: عندما تحتار الأجهزة الأمنية في اختصاصها!

عندما تحتار الأجهزة الأمنية في اختصاصها! أفرام عادل

أخبرني أبو علاء، الرجل السبعيني المتجهم دائما من ضيق الحال وعسر الأحوال، أنه كان يجلس في محله صباحا كالعادة، وهو يأمل أن يكون البيع في ذلك اليوم أفضل منه في الأيام السابقة، قبل أن تنقض عليه فجأة دورية من الأمن السياسي وتقتاده مكبلا تحت وابل الصفعات والإهانات اللفظية إلى “الفرع”.

هناك وبعد البقاء لأكثر من أربع وعشرين ساعة في المنفردة، والأفكار تروح وتجيء به حول ما يمكن أن يكون سبب اعتقاله، وهو الذي طوال عمره كان “يبتعد عن السياسة ويغني لها” كما يقول، والخوف والقلق يتملكه حول عائلته التي لا تعرف ما حدث معه، كشف له السر أخيرا.

فقد تبين أن سرقة جرت في منطقته حيث يسكن في ريف دمشق، طالت إحدى المواد الاستهلاكية التي يتخصص محله في بيعها، وأنه قد جرى اعتقال أكثر من عشرين شخصا ممن يبيعون تلك المادة في المنطقة نفسها على خلفية هذه القضية.

كان أبو علاء يهز رأسه للأمام والخلف بعصبية وعيونه إلى الأرض، وهو يروي كيف نزعت ملابس جميع المعتقلين بالكامل قبل أن تنهال عليهم الكابلات بالضرب على مختلف أنحاء أجسامهم لإجبارهم على الاعتراف.

وقال أنه لم يتعرض هو واثنين آخرين لضرب مماثل ربما مراعاة لسنهما ولما لهما من سمعة ومكانة طيبة في المنطقة، لكنهم جميعا تلقوا ما يكفي من الإهانات واللبط والصفع طيلة فترة بقائهم في الفرع التي استمرت نحو شهر.

أبو علاء لا يعلم إن كانوا قد ألقوا القبض على المجرم الحقيقي حتى أفرجوا عنه، لكنه كان يسأل باستمرار: في العادة ألا يحقق المحققون في الجريمة قبل اعتقال المشتبه بهم؟ كيف اعتقلوني بمجرد أنني أبيع تلك المادة وبدون أي تحقيق؟!

في الواقع، أبو علاء لم يطرح السؤال بشكل صحيح. فهو كان يحتج على آلية التحقيق – أو اللاتحقيق- الذي أدى لاعتقاله، وعلى ما تعرض له من إساءة معاملة، لكن لم يخطر بباله في المقام الأول أن يسأل، بأي صفة يقوم جهاز الأمن السياسي بالتصدي لقضية سرقة؟! وما هي دلالات اسم هذا الجهاز الأمني، إذا كان من ضمن مهامه التصدي لمثل هذه القضايا ذات الطابع الجنائي البحت؟! ولماذا لم يقم فرع الأمن الجنائي بتولي القضية من الأساس؟

تنازع في الاختصاص؟

لسوريا “سمعتها” التي يندر أن يضاهيها بها أحد عندما يتعلق الأمر بقضايا الاعتقال التعسفي على خلفية التعبير عن الرأي بالقول أو الكتابة والمشاركة في الحياة العامة.

الأجهزة الأمنية مطلقة اليد في ضبط المجتمع وأفراده الذين يرتكبون جرم التعبير عن آرائهم، بموجب حالة الطوارئ المعلنة منذ أكثر من أربعة عقود، لكن أيضا وأولا، بموجب قرار سياسي يخول تلك الأجهزة منع أية محاولة لمشاركة المجتمع في إدارة شؤون بلاده ومستقبلها.

تلك الممارسات هي أداة الاستبداد لتحقيق استدامته. لكن يغدو الأمر أكثر مشقة على التفسير حين يتعلق بتطبيق الممارسات نفسها على أفراد معتقلين بتهم لا علاقة لها بقضايا التعبير والرأي والسياسة.

ضد الجريمة والفساد!

تلك القضايا، هي بطبيعة الحال مما يتمنى المواطن أن تكافح بصرامة لحماية المجتمع من جرائم مماثلة وإنزال العقاب الرادع بمرتكبيها. ويبدو أنه لتوقه- أي المواطن- للشعور بالأمان خاصة في ظل فساد الشرطة والقضاء، فإنه لا يجد بأسا في قيام الأجهزة الأمنية من التعامل مع تلك الجرائم.

ففي أقبية الأجهزة الأمنية، وبشكل خاص جهازي الأمن السياسي ومن ثم أمن الدولة، مئات المعتقلين على خلفيات النهب والسرقة والحبوب المخدرة والفساد…الخ.

وقد يقول قائل بأن جانبا من تلك الجرائم له صلة مباشرة بأمن الدولة خاصة عندما تكون من ضمن شبكات كبيرة أو عابرة للحدود. لكن الواقع، والذي يتيح لنا الإعلام المحلي الاطلاع على جانب كبير منه، يقول غير ذلك.

فهذا الإعلام، وهو يخضع بالمطلق إلى الرقابة الأمنية وتوجيهاتها، يسوق لنا كل يوم حوادث جديدة عن حالات اعتقال لا توحي بأنها ذات طابع أمني من تلك القضايا التي تختص بها الأجهزة الأمنية عادة، وهو يسوق تلك الحوادث بـ”فخر” كأدلة على اجتهاد السلطة في محاربة الجريمة والفساد!!

فعلى سبيل المثال، شن فرع أمن الدولة في مدينة حلب في فبراير الماضي حملة قبض من خلالها على أكثر من 140 مطلوبا “أغلبهم من الزعران الذين يعملون على سرقة وسلب وإرهاب المواطنين” “بالإضافة إلى مهربين”، كما جاء في أحد المواقع المحلية شبه الرسمية. أي ضد مرتكبي جرائم مختلفة ومتنوعة كان من المفترض أن تتم ملاحقتهم عند ارتكابهم جرائمهم تلك من الأجهزة المختصة بدل تركهم ليصبحوا قضية عشرات من “الزعران” من اختصاص أمن الدولة.

كما أن الكثير من تلك الحملات تتعلق بما يطلق عليه رسميا “محاربة الفساد” الذي ينخر في جميع مفاصل الدولة وأجهزتها، وغالبا مايقوم بها فرع الأمن السياسي لكن ليس بدون تدخل بقية الأفرع خاصة أمن الدولة.

بل أن حتى قضايا الفساد في الجهاز القضائي، -الذي يعتبر من أكثر أجهزة الدولة فسادا على أية حال- تتولاها الأجهزة الأمنية بدلا من الجهات القضائية المختصة، وفي ذلك مفارقة مابعدها مفارقة.

ويتعدى الأمر الجرائم المذكورة سابقا ليصل وفقا لروايات معتقلين مروا بتلك الفروع الأمنية إلى حالات أقل مايقال فيها أنها غرائبية.

فعلى سبيل المثال، يذكر الصحفي السوري معن عاقل الذي اعتقل لثلاثة أشهر في وقت سابق من هذا العام في فرع أمن الدولة بدمشق، أنه صادف ثلاثة موقوفين بتهمة بيع كلاهم في مصر بملغ 175 ألف ليرة سورية للكلية الواحدة من أجل بناء مسكن يأوي أبنائهم.

لكن لماذا؟!

عندما تتصدى الأجهزة الأمنية غير ذات الاختصاص لقضايا ذات طابع جنائي بحت، فقد يشير ذلك إلى استفحال الجريمة في الشارع السوري ووصول الفساد إلى مستويات باتت تعجز معه الجهات المختصة قانونا بالتعامل معه.

وفي ذلك جانب من صواب. ويدلل عليه طبيعة الحملات التي تشنها الأجهزة الأمنية بين حين وآخر على مجرمين مطلوبين للعدالة، فتقبض في الحملة الواحدة على العشرات ممكن كانوا يسرحون ويمرحون بعيدا عن العدالة.

لكن ذلك يقودنا إلى ما هو أبعد، ويتمثل في عجز النظام القانوني والقضائي السوري عن التعامل مع تلك الجرائم ومرتكبيها، إلا بعد معالجتها من قبل جهاز أمني ما. إما لفساد ذلك النظام الذي يتيح للمطلوبين الهروب من العدالة لقاء دفع الرشاوى أو مشاركة أشخاص في السلطة بثمار جرائمهم، أو لمنع تضارب المصالح وإحراج المتورطين في الفساد والجريمة على أعلى المستويات، حيث تتم غربلة أسماء المتورطين في قضية ما وإخراج المتنفذين منها قبل إحالة البقية إلى القضاء.

عادة ما تنتظر الأجهزة الأمنية الأمور في مثل تلك القضايا، حتى تصبح مهددة بالانفجار، فتبادر إلى أخذ المبادرة وشن حملة تهدف من خلالها إلى تخدير المجتمع من جهة، وإلى تقليم أظافر المجرمين الذين يحظون بالحماية عبر شبكات الفساد بما يحفظ التوازنات التي ترعاها تلك الأجهزة.

لكن في المحصلة، فالنتيجة الوحيدة المتأتية عن ذلك تتمثل في تهميش أي دور فاعل للقانون والقضاء في المجتمع، حيث يصبح ذلك الدور مقتصرا أكثر فأكثر على فعل التلقي من الأجهزة الأمنية، بينما هو متروك لفساده وعجزه. الأجهزة الأمنية، لا تعمل فقط ككابح لآراء الناس ورغباتهم المتعلقة بوطنهم ومجتمعهم، بل أيضا تمسك بمكابح الجريمة والفساد، فتطلقها أو تكبحها حسب المقتضى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تغيب وراء تلك الوقائع حقيقة مهمة، تتمثل في أن جانبا مظلما آخر من انتهاكات حقوق الانسان يمارس يوميا على يد تلك الأجهزة من غير أن يفضح أو يدان.

مقالات القراء: عندما تحتار الأجهزة الأمنية في اختصاصها!

Posted on أكتوبر 7, 2010, in News and politics, Opinions, Syria/سورية, آراء and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليقاً .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: