ثلاثة أيام في الاعتقال /الجزء الرابع/ إياد شربجي

 

ترددت كثيراً بكتابة الجزء الرابع من شهادتي هذه، أولاً لأنني بدأت أشعر بسخف تجربتي أمام ما يعانيه آلاف المعتقلين على كامل الخارطة السورية، وكل ما أخشاه أن أبدو وكأنني أقدم نفسي كـ (hero) وأنا الذي لم أعانِ  سوى بعض اللطمات والبوكسات التي لا تعدّ إلا (أهلا وسهلا) في قاموس المعتقلات السورية، وثانياً أن إياد شربجيالقضاء السوري -وفي سابقة خطيرة- استخلص من الأجزاء السابقة من شهادتي ما اعتبره اعترافات صريحة، وضمّها إلى ملف الدعوى القضائية المرفوعة ضدي….لكنني في النهاية قررت المتابعة لأنه لا يجوز أخلاقياً أن أبدأ عملاً ولا أكمله، وثانياً استجابة لرغبة الكثيرين من الأصدقاء الذين يريدون استطلاع هذا العالم الغامض الذي أتيح لي رؤية بعض منه.

فيش وتشبيه:

كان يوم الجمعة 15 تموز قاسياً علينا، فهذا هو الأسبوع الأول منذ اندلاع الثورة السورية الذي كنا فيه (مثل الأطرش بالزفّة)، كنا نتساءل طيلة الوقت “ماذا سمّوا هذه الجمعة…كم من الشهداء سيسقط…؟” جواب هذه الأسئلة كان مثل الكنز بالنسبة لنا ونحن القابعون دون حراك بين جدران مصمتة، كنا نسأل العناصر والضباط وما من إجابة سوى “بلا أكل خرا”… لا أدري لماذا تتوافر كميات كبيرة وفائضة من هذا الشيء في هكذا أماكن..!!

وحانت الساعة السادسة مساءً عندما جاءت مناوبة العنصر الذي كنا نعتبره لطيفاً في تعامله معنا، سألناه، فأجابنا هامساً وهو يختلس النظر من حوله “قايمة القيامة …قتلوا خمس عناصر حفظ نظام بالقابون” ثم تركنا وذهب متمنّعاً عن ذكر أية معلومات غير التي يقولها الإعلام السوري، نظرنا إلى بعضنا بخوف، وتساءلنا “ولي…شو صاير معناتها؟” وبدءنا بالحساب كلّ على طريقته، فهذا يقول:”إذا 5 من الأمن معناتها على الأقل في 50 مدني” وآخر يقول “مستحيل…هاد الاسبوع ما رح يعملوا عنف منشان مؤتمر الحوار” وبقينا نحلل ونتوقع إلى أن جاء أحدهم ونادى على اسمائنا ثلاثاً ثلاثاً في كل مرة، وكان يأخذ كل مجموعة خارجاً، وعندما كانوا يعودون بعد ربع ساعة كان الحنق والألم متبدّياً على وجه كل منهم، وكان الحبر يغطي أيديهم وسواعدهم، لنعلم في النهاية أنهم أجروا لهم فيشاً وتشبيهاً. عندما عرفت بالموضوع تضايقت جداً من الفكرة وتداعت إلى ذهني مشاهد إعلانات الـ (WANTED) التي تلصق على الجدران وأعمدة الإنارة كما في الأفلام الأميركية، بالنسبة لنا كأناس يقيسون أنفسهم بالخيط كان ذلك مؤلماً حقاً، سيما وأننا نعتقد أن المجرم إنما هو الطرف الآخر، وهو الذي يستحق أن نجري له فيشاً وتشبيهاً وليس نحن، لكن في مكان كذاك، وعندما تنظر من حولك وترى العناصر والجدران وقضبان السجن، وأنك مجرد شربة مي بالنسبة لهم، تشعر حقاً بجبروت السلطة وقدراتها الواسعة، وقد يصيبك شيء من الإحباط واليأس عندما تفكّر “كيف بدهن يروحوا هدلول..؟؟!!” .

نادينا على العنصر وأخبرناه أننا لن نذهب، فبدأ يهوّن علينا الأمر ويقول “إجراء عادي لا تخافوا…كل واحد بيمرّ على هالفرع بيعملولو فيشة” تجادلنا كثيراً حول القصة إلى أن جاء أصدقاؤنا من الدفعة الثانية وقال لنا أحدهم وكان بادياً عليه أنه ( آكل بهدلة ماكنة) : “بدنا نعملها مافي مهرب”

بعد قليل نادوا عليّ أنا والتوأم ملص واقتادونا إلى غرفة الفيش والتشبيه، والتي تقع بين البابين الحديديين؛ الداخلي والخارجي للسجن، كانت غرفة قذرة تفوح منها رائحة(كازية)، والحبر الملطّخ على كل شيء (الجدران، والملابس، والطاولات، وحتى الكومبيوتر وكاميرة التصوير) يجعلك تظنّ لوهلة أنك في مشحم للسيارات، أو في حقل للتنقيب عن النفط،، كان ثمة شخص يجلس خلف الكومبيوتر وآخر عند(البصامة)، قام العنصر من خلف الكومبيوتر (وكان نزقاً جداً) وطلب مني الوقوف إلى الجدار بطريقة معينة، ثم رتّب مجموعة من الأرقام المكتوب كل منها على قطع بلاستيك صغيرة حتى شكّل منها الرقم(10085) الذي سيكون رقم الفيش الخاص بي لبقية حياتي، ثم وضع الأرقام على لوحة بلاستيكية مروّسة بعبارة (فرع الامن الجنائي بدمشق) وطلب مني حملها ورفعها أمام صدري، ثم والتقط لي صورتين واحدة مواجهة والأخرى جانبية، كنت خلال هذه اللحظات شديد الامتعاض، (ستجدون أثار هذه الإمتعاضة في الصورة المرفقة مع المقالة)، ما لفت انتباهي هنا أن الكاميرا المستخدمة في التصوير (نوعها أولمبوس) هي كاميرا حديثة جداً من حيث الإمكانيات وتاريخ التصنيع، لكن ما عليها من آثار وخدوش ولصقات (التوال)بالتأكيد سيستدعي تدخل السفير الياباني لإنقاذ سمعة هذه الشركة العريقة في حال رأى ماذا فرع الأمن الجنائي بها، لأقرّب لكم المشهد أكثر…كانت تشبه سيارة الزيل العسكرية.

بعد أن تم الانتهاء من تصويري، ودونما مقدمات أو استئذان قبض العنصر الذي يعمل على البصّامة على يدي وشدني بعنف وقال لي “رخّي ايدك” ثم بدأ يبصّم أصابعي وكفّ يدي ويلويها يمنة ويسرة وفوق وتحت وكأنه يمسك بخرقة، وكلما كنت أعبّر عن ألمي مما يفعل كان ينظر إلي متململاً ويقول لي “رخي إيدك خلصني” ثم يتابع ليّ وطيّ أصابعي وذراعي، وفعل الشيء نفسه بيدي الأخرى، حتى الآن لا أعرف مدى جودة البصمات التي أخذها، فأنا أجزم أنا واحدة منها لم تكن واضحة، كلها كانت طلس بطلس، والحبر يشرشر على الورقة والأرض والملابس وكل شيء، وعندما انتهى أعطاني خرقة سوداء لأمسح بها يدي قبل أن أكتشف أنها كانت بيضاء فيما سبق، مسحت يدي فانتشر الحبر أكثر، فأعدت له الخرقة وسلمت أمري لله، بالمناسبة كانت البصّامة أكبر (سطنبة) يمكن أن تراها بحياتك، أظن أنها تكفي لبصم رجل كامل مثلما هو، وكان يتم تحبيرها بواسطة إبريق شاي ملأ بالحبر.

بعد إنجاز الفيش لثلاثتنا أعادونا من حيث أخذونا، وقبل أن ندخل الغرف سمحوا لنا بأن نغسل أيدينا على المغسلة، لكن بدون صابون أو سائل جلي لم ينفع الماء إلا في تعميم الحبر على كامل سواعدنا، فتوقفنا عن الغسيل وعدنا إلى أصدقائنا، لنكمل حديثنا المعتاد، من جملة ما حكينا ما قاله لنا زميلنا عبد العزيز الدريد عن طريقة قتل عمه راشد الدريد الذي استشهد خلال مظاهرة القدم يوم 1 تموز، وكيف أن المشفى لم يسلّمهم الجثة لاحقاً إلاً بعد أن وقعوا بأن من قتله هم العصابات المسلحة، مع أن الجميع رآى وعرف العنصر الذي قتله، وأخذ كل منا يتحدث عن قصص مشابهة، وكان الواحد منا يعرف واحدة أو اثنتين من تلك الحوادث على الأقل، بالنسبة لي حدثتهم عن الشهيد زاهر المبيض الذي قتل تحت التعذيب في مطار المزة، لكن الطبيب الشرعي كتب على شهادة وفاة هذا المسكين (سبب الوفاه: حادث سير) وكنت نشرت في وقت سابق صورة عن شهادة الوفاة هذه، وتحدثت عن تزويرها في حينه، حيث كنت من الأشخاص الذين شاهدوا أثار التعذيب الشنيع على جسد الشهيد المبيض في داريا وعرفت قصته بالتفصيل من أهله وأصدقائه.

في التحقيق:

كانت ليلة الجمعة ذاتها، وكنا غارقين في نومنا عندما أيقظنا عناصر الفرع وطلبوا منا أن نجهّز أنفسنا للتحقيق، استيقظنا، غسلنا وجوهنا، وبدؤوا باستجوابنا واحداً واحداً، كان أحدنا يذهب…يغيب  لحوالي عشر دقائق ثم يعود والابتسامة الساخرة تعلو وجهه، فأحمد ملص مثلاً، يسأله الضابط المحقق السؤال المعتاد الذي يقذفه في وجه الجميع ويحصل منه دائماً على نفس الجواب “كيف عرفت بالمظاهرة؟” الإجابة المعتادة والمتوقعة هي “فيسبوك” أو “فيسبوكس” كما يسميه عناصر الفرع،  لكن أحمد كان قد عرف بالمظاهرة بطريقة أخرى، فيجيب الضابط “تويتر” وعندما يسمع الضابط هذه الكلمة الجديدة على قاموسه ينتصب وعلامات الذعر بادية عليه ويقول “شو.!!!!!!!!!!!” كان هول المفاجأة عظيماً عليه كما وصف أحمد.

المحقق ذاته يناقش زميلاً آخر ويقول له في محاولة لإقناعه بأن بلدنا بألف خير “إنت بتعرف إنو ببلجيكا البطيخ بينباع بالحز…شفت بحياتك حدا سوري بيشتري حز بطيخ..!!”، ويقول لآخر: “يعني شو هي الحرية اللي بدكن ياها إنو يفلتو الشباب والبنات ويركبوا على بعض بنص الشارع متل أمريكا..؟؟!!” هذا بعض مما كان يجري في التحقيق ولكم أن تتخيلوا البقية.

بالنسبة لي كانت الساعة قرابة الثالثة من صباح يوم السبت عندما جاء دوري، أخذوني إلى غرفة التحقيق، كان فيها ضابط برتبة رائد ومساعد يكتب المحضر، وبعد أن تم أخذ اسمي للمرة الألف منذ دخلنا الفرع سألني الرائد: “كيف عرفت بالمظاهرة” أجبته الجواب المعتاد، فأضاف “إنت بتعرف مين وراه للفيسبوك؟” قلت له “لا والله” تابع “يعني شبّ مثقف وفهمان متلك كيف بيلحق شغلة ما بيعرف مين عاملها…بلكي كان هاد الزلمي يهودي…هيك بتطلع من دون ما تعرف شو القصة؟!!” كنت أضحك في سرّي وأنا أسمع هذا الكلام، من الواضح أن الضابط لم يفتح (الفيس بوكس) ويعرف من هم الذين دعوا للمظاهرة…لا يهم فالكليشة جاهزة دوماً، أجبته “مين ما كان يكون اللي دعى للمظاهرة، أنا اقتنعت بأهدافها وقريت البيان وعجبني” فيسأل سؤاله الساذج “هه…يعني إذا قلك الواحد كب حالك بالبحر بتكب حالك؟!” تنهّدت ولم أجب، يتابع الضابط “ليش تظاهرتوا من قدام جامع الحسن تحديداً؟” كان معلوماً لنا طيلة فترة الاعتقال أن جامع الحسن تحديداً ومنطقة الميدان عموماً هما مصدر قلق حقيقي لهم، وكنا في كل يوم نسمع هذا الكلام بطريقة وبأخرى، أجبته: “بدك تسأل اللي اختار المكان أنا شو دخلني؟” فقال: “ومين اللي اختارو؟” صمتُ قليلاً وكنت سأجيبه “اليهودي اللي حكيت عنو” لكنني لم أجب… ثم قال وعلى وجهه نظرة خبيثة واثقة تدلّ على أنه كاشف لكل ما يحصل في العالم من حولنا: “إنت بتعرف انو كل واحد عميتظاهر عميقبض ألفين ليرة؟” قلت له مستغرباً: “ألفين ليرة؟؟!!” فيجيب واثقاً: “إي نعم..وعنا وثائق وأدلة على هالكلام” قلت : “هلأ برأيك نحنا طالعين ومعرضين حياتنا للخطر منشان ألفين ليرة..!!” فأجاب نافياً: “يمكن إنتو لأ..بس غيركن عميقبض” قلت: “يا سيادة الرائد اذا الرئيس ذاتو قال إنو معظم اللي عميطلعوا هنن شرفاء وعندهن مطالب مشروعة، كيف إنت عمتقول إنن عميطلعوا لإنن عميقبضوا مصاري؟” فنظر إلي بطرف عينه وقال متأففاً نزقاً: “طيب إبصم ووقع وبعات اللي بعدك” فرد عليه المساعد الذي كان يكتب محضر التحقيق: “دقيقة بس سيدي ما خلصت” التفتّ إليه وإذ بهذا ينقل إفادة مي سكاف على إفادتي، بمعنى أنه قام بنقل كل ما جاء فيها وقام فقط باستبدال الأسماء، دون أن يسجل حرفاً واحداً مما دار بيني وبين المحقق…نظرت مستغرباً حتى إنتهى من النقل، ثم وقّعت وبصمت وخرجت، وعدت إلى الغرفة وأكملت نومي.

إلى القصر العدلي:

أيقظونا حوالي السابعة صباحاً، وكان بعضنا لم ينم بعد جراء تأخّر دوره في التحقيق، قمنا وغسلنا وجوهنا، وفطرنا لبنة وزيتون، ثم رتّبنا الغرف حيث كانوا قد أحضروا لنا قبلها بيوم (طراريح) إسفنج للننام عليها بعد أن كنا ننام على البلاط بدون بطانيات حتى، فرتبنا كل شيء لأننا أردنا أن نترك رسالة واضحة بهذا الخصوص، وفي تمام التاسعة أخذونا واحداً واحداً لنستلم أماناتنا، خلال تسليم الأمانات كانوا حريصين جداً على أن نتأكّد أننا استلمنا كامل أماناتنا دونما نقصان، بالنسبة لفادي حسين كانت هذه أحلى لحظاته عندما استلم(شواطات) حذائه، لأن حذاءه كان عبارة عن(شواطات وأرضية فعلياً) وعندما أخذوها منه لم يعد حذاؤه يصلح حتى (كشحاطة) خلال الأيام اللاحقة. أوقفونا على شكل صفّين واحد للشباب وآخر للفتيات، ثم أتو بالجامعة، و(الجامعة) هي سلسلة من الكلبشات تكفي لصفد طابور من الأشخاص، عندما رأينا الجامعة طلبنا منهم أن يلغوا هذه الفقرة (وبلاها الكلبشات ..مو حلوة بحقنا) لكن الضباط كانوا حازمين في هذا الموضوع، وقال أحدهم “تدللتوا كتير…خريتوها” فصمتنا، ثم وضعوا الكلبشات في يد كل منا، وفي كل كلبشة يوجد ثقب، ممروا الجنزير من خلاله فأصبحنا كلنا متصلين، ثم وضعوا قفلاً في نهاية الجنزير وآخر في بدايته كي لا يفكّ، لكن بحركة ما أفلت محمد ملص يديه من الكلبشات دون أن يشعر العناصر بذلك، وكي لا ينتبهوا عليه أمسك بالجنزير بيده  ليظهر وأنه مصفوداً مثلنا، وصرنا نقول لمحمد “فعلاً طلعت ملص وملصت” .

بعد ذلك اقتادونا على الدرج الواصل من القبو حيث السجن إلى الطابق الأرضي، وكنا نتعثر أثناء مشينا إذ إننا مربوطون معاً ويجب أن نمشي بطريقة موحدة حتى لا تلبكنا الجامعة، لكن كثيرين منا نسوا النظام المنضم الذي تعلمناه خلال الجيش، لذلك عندما كان يستعجل أحدهنا كانت الكلبشات تشدّ جميع من وراءه فيلتصقون ببعضهم، عندما شاهد العناصر ذلك بدؤوا يصرخون “هدي عندك هدي هدي…انت قرب قرب….انت خليك واقف ليوصل لعندك” وكان يضيف صعوبة على هذه المهمة أن الدرج ملتف بشكل دائري، وبلحظة ما ظننا أننا سننعقد كالعقدة ونحن نصعد، المهم أننا خرجنا من القبو وجاء الأمر الأصعب، كيف سندخل الباص؟، دخلنا واحداً واحداً وبدأنا الجلوس، ولكم أن تتخيلوا كم عملية حسابية يجب أن نجري حتى نختار طريقة الجلسة الصحيحة بما أننا مرتبطون بسلسلة واحدة، لكن العناصر كانوا مستعجلين وكان واضحاً أنهم لا يريدون لأحد أن يرانا وسط ساحة باب مصلى المزدحمة بالمارة، سيما وأن عدداً من الأصدقاء كان ينتظر بالخارج ومنهم جيداء شقيقة يم مشهدي، في النهاية جلسنا بطريقة أو بأخرى وكان مشهدنا مضحكاً فعلاً، فالمخرج نضال حسن يجلس في المقعد الأخير من الباص فعلياً، أما واقعياً فكانت يده تجلس في المقعد الأمامي، وهكذا كان وضع مظفر سلمان الذي كان يجلس في الصف الامامي لكن يده ملتفة حول رقبته للوراء، وكان عليكم أن ترو منظره وهو يحاول الكلام بينما ساعده يلتفّ على فمه.

طيلة الطريق كنا نغني النشيد الوطني، ونعيده ونكرره إلى أن وصلنا باب القصر العدلي، حيث رأينا أقاربنا وأصدقاءنا في الانتظار، ومنهم زوجتي علا ملص، وفايزة الشاويش والمخرج محمد ملص، والشاعر علي سفر، وزويا بستان، والفنان فارس الحلو، والفنان محمد آل رشي وآخرون كثيرين.

أدخلونا من الباب الجانبي للقصر، وكان نزولنا أكثر صعوبة من صعودنا ونحن نفكك أنفسنا بعد أن نسينا ترتيب صعودنا الذي كان يجب أن ننزل به بشكل عكسي .

أنزلونا أمام نظارة القصر العدلي، وأجلسونا هناك لحوالي نصف ساعة، وحيث إن محمد ملص كان قد (ملص) من السلسلة كما ذكرت سابقاً، فراح يأتي لنا بالماء من البراد الموجود في زاوية النظارة، وصار يسقينا واحداً واحداً بينما نحن مكبلون، وبدونا أمام هذا المشهد كأسرى يقوم السجّان بسقايتهم كرماً منه.

أخيراً جاؤوا وفكّوا وثاقنا، وأخذونا لنسلّم أماناتنا مرة أخرى، وكان على فادي أن يسلّم(شواطاته) ويعود إلى معاناته مع حذائه من جديد، وبعد أن انتهينا أخذونا ليودعوننا في نظارة أخرى.

شهادات حيّة على التزوير:

عندما دخلنا إلى النظارة لم يكن فيها إلا بضعة رجال نائمين على الأرض، وكان ثمة شخص واحد يروح جيئة وذهاباً في المكان إنه العم ياسر وهبة محروس (أبو منير) الذي حالما علم أننا متظاهرون استقبلنا بالترحاب وحضننا وقبّل كل واحد منا، وهو يقول “الله محيي الرجال” ثم بدأ يناولنا السجائر، سألنا العم أبو منير: “لماذا هو هنا.؟”  فقال لنا قصته المريرة:  “كنت قاعد ببيتي بمنطقة القدم بأمان الله، وجاؤوا وأخدوني وصادرو مسدسي المرخص، وشحطوني إلى أحد الفروع الأمنية واتهموني بأنني قتلت أحد المتظاهرين، وطلبوا مني الاعتراف بذلك، لكنني رفضت رغم كل ما تعرّضت له لأنني لم أفعل طبعاً، بالأصل لم أستخدم المسدس منذ اشتريته، لكنهم أصروا على روايتهم، والآن جابوني لهون مع انو القصة واضحة ومكشوفة، فأنا مسدسي عيار 8 ميلي، والذي يتحدثون عنه قتل برصاصة عيار 9.5 ميلي” هنا تدخل الزميل عبد العزيز الدريد وقال له: “أنا كمان من القدم عمو…دخلك مين هاد الشخص اللي قالولك إنك قتلتو؟” فاجاب أبو منير بكل براءة: “قالولي اسمو راشد الدريد” عندما سمع ذلك انتفض عبد العزيز مشدوهاً وقال صارخاً “العمة…هاد عمي” وساد الهرج بيننا ونحن نشهد أمام أعيننا هذه الفبركة المكشوفة، انزعج عبد العزيز جداً وأخذ يشتم ويسبّ، أثناء ذلك بدأ مساجين جدد بالوصول ومنهم زملاؤنا المتهمون بالهجوم على السفارات، وخلال ربع ساعة غصّت النظارة بالمعتقلين، كان هناك أكثر من 150 منهم.

انتشرنا بينهم وبدأنا الحديث، معظم هؤلاء كانوا متهمين بأمور مشابهة، من بينهم كان معن عويدات شقيق الناشط الشهير هيثم مناع، هو شخص ودود جداً، ودمث الخلق، ويشبه أخاه حد التطابق، حدثنا معن الكثير من القصص، ومشاهداته عن الجرائم التي ارتكبت في درعا، وكيف اقتادوه بالسيارة وهو مكبلاً للخلف وعيناه(مطمشتان) وكانوا يضربونه طوال الطريق حتى وصوله للشام، وخلال حديثنا معه، وعندما علم أن نضال حسن من الطائفة العلوية، ضمّه وحضنه بحب شديد، وصار يلاطفه ويقول له: “نحنا كلنا اخوة وهاد البلد بدنا نبنيه مع بعض، ونحن لا نأخذ الناس بجرائر بعض القلة” كان حديثاً مفعماً بالصدق والمحبة، وقد خلا فعلاً من أية حالة تمثيلية، أؤكد لكم هذا بخبرتي الصحفية التي جعلتني شديد الملاحظة والمعرفة بلغة الجسد.

في مكان آخر التقينا بشاب صغير نحيل (تمنّى عليّ أن لا أذكر اسمه حتى لا يتبهدل)، وهو من منطقة بنّش بإدلب، وحدثنا هو الآخر أنهم اتهموه بحرق 4 سيارات، وأنهم صوروه يعترف على التلفزيون، وأن كل ما قاله هو في الحقيقة كذب بكذب، ولكنه اضطر لذلك بعد كل ما لاقاه على أيديهم.

من بين الموجودين أيضاً كانت مجموعة مكونة من  18 رجلاً بينهما اثنان بعمر متقدم، وقد اعتقلوا جميعاً خلال مظاهرة بالميدان بدمشق منذ أكثر من 10 أيام، وكان وضعهم صعباً جداً فهذه هي التجربة الأولى لهم في التظاهر والاعتقال، وكان من بينهم من ترك ولدان معاقان خلفه دونما معيل أو أم تحنو عليهم.

توكيل المحامين:

بعد قليل جاءنا المخرج السينمائي محمد ملص من خلف القضبان، إنه عم التوأم ملص، سلّم علينا جميعاً، واهتم تحديداً لأمر أولاد أخيه التوأم ملص وصديقه المخرج نضال حسن، وعرّفنا المخرج ملص على المحامي مهنّد حسيني الناشط والمعتقل السابق، والعضو بمنظمة سواسية الحقوقية، وبعد أن أوضح لنا مهام منظمته سألنا المحامي مهند إن كنا نرغب بتعيينه وزملائه ليدافعوا عنا أمام القضاء، ودونما مقابل، فقط لأهداف إنسانية وحقوقية بحتة، فوافقنا على الفور، واتصل المحامي مهند بأحد زملائه ليأتي وينجز لنا الوكالات القضائية، وهذا ما حصل.

بعد ذلك نودي على المعتقلين المتهمين بالهجوم على السفارات والذين كانوا معنا خلال الاعتقال، وكان من بينهم أبو محمود الذي حدثتكم عنه سابقاً، تقدّم أبو محمود منا وودعناه واحداً واحداً وتبادلنا الأحضان في مشهد سيصعب على كثيرين فهمه ونحن الذين نقف على طرفي نقيض، لم يقف الأمر هنا بل إننا تبادلنا أرقام هواتفنا، وتواعدنا القيام بزيارات متبادلة لاحقاً.

بعد نصف ساعة بدؤوا ينادون علينا على شكل مجموعات مؤلف كل منها من خمس، وأخذونا إلى القاضي الذي استجوبنا واحداً واحداً بحضور المحامين، وكان محور الاستجواب هو الإفادات التي أدلينا بها في المعتقل، كان استجواباً روتينياً خالصاً إذ إن جميع إفاداتنا كانت متطابقة ومنسوخة عن إفادة مي سكاف، لكنني أضفت في إفادتي تنصيب نفسي مدعياً شخصياً على الرائد أمين هواش الذي سبق وضربني، وبعد أن انتهوا من استجوابنا أخذونا جميعاً إلى مكتب النائب العام بدمشق، الذي جلس خلف مكتبه وراح يحدّثنا عن خطئنا الكبير المتمثّل بخرقنا لقانون التظاهر،  والمفارقة كانت كبيرة هنا وتجسّد بحق موقف السلطات الحقيقي مما يحدث في البلاد، إذ إن مكتب النائب العام يطلّ مباشرة عى الباب الرئيسي للقصر العدلي حيث كانت مظاهرة مؤيدة في الخارج تهتف بصوت يصم الآذان: “إلى الأبد إلى الأبد أسد ورا أسد…يا معارض يا خوان يا كلب الامريكان….طز فيكي حرية” سأل أحدنا النائب العام: ” طيب انتو عمتحاكمونا بجرم التظاهر غير المرخص…هدلول اللي برة مرخصين..؟” فأجاب النائب العام “هلأ منشوف هلأ منشوف” وتابع حديثه، طبعاً كنا متأكدين جميعاً أن تلك المظاهرة غير مرخصة، فلقد قبض علينا مساء الأربعاء، ولنفترض أن هؤلاء تقدموا بالترخيص يوم الخميس، ثم جاءت الجمعة والسبت يوما عطلة، ويومها كان السبت فعلياً، فمتى أخذت الموافقة…!! حقيقة لم نكن بحاجة لنناقش هذه الفكرة طويلاً لأنها واضحة وضوح الشمس، سيما وأن هؤلاء المؤيدين اعتدوا علينا لاحقاً وأمام القصر العدلي وأمام أعين القضاء والشرطة، ولم يردعهم أحد…فهل أخذوا موافقة بذلك أيضاً.

اعتداء أمام أعين الدولة:

خرجنا من مكتب النائب العام وعدنا واستلمنا أماناتنا، ولأننا كنا نتحرك على شكل مجموعات كما قسّمونا، فقد أفرج عنا بنفس الطريقة، فخرج القسم الأول منا وهم (مي سكاف-ريما فليحان- دانا بقدونس-فادي زيدان-ساشا أيوب- عبد العزيز الدريد- نضال الحسن) من الباب الرئيسي للقصر العدلي على أن ينتظرونا لنخرج جميعاً كما كنا قد اتفقنا من قبل، لكن ما إن خرجت هذه المجموعة من الباب حتى تمت ملاحقتهم والاعتداء عليهم أمام أعين شرطة القصر العدلي من قبل تظاهرة الموالاة التي علمنا لاحقاً أنه أوتي بها من قبل إحدى المنظمات الشعبية، فهرب زملاؤنا منهم إلى أحد المقاهي القريبة حيث حوصروا هناك وتلقوا ضرباً بالبيض والبندورة والحجارة، وكان هناك بعض الأصدقاء والمحبين الذين حمَوهم من المعتدين، ومن هناك تحدّثت مي سكاف على قناة الجزيرة عن حصارها وزملائها من قبل الشبيحة فجاء بعض عناصر الشرطة وأرجعوا المعتدين إلى الخلف، وقام الأصدقاء بإيقاف سيارات أجرة لزملائنا المحاصرين ، وهربوا بها، لكن التشبيح لم يتوقف هنا، فقد استقلت كل من ريما فليحان ودانة بقدونس إحدى سيارات الأجرة، فاقتادهما سائقها إلى أمام أحد أقسام الشرطة القريبة، ثم نزل وقفل الأبواب عليهم وركض، لكن زميلاتنا تمكنّ من قتح باب السيارة والهروب.

بعد أن حصل ذلك مع الدفعة الأولى طلب محامونا من القاضي أن يتم إخراجنا من الباب الخلفي للقصر العدلي حماية لأرواحنا من أيدي هؤلاء، وبالفعل أخرجونا من الباب الخلفي وأغلقوا الباب وراءنا بسرعة كي لا يتحملوا مسؤوليتنا، لكن أصدقاءنا كانوا بانتظارنا وبالكاد تمكنت من تحية زوجتي علا ملص التي كنت متلهفاً للقائها، فقد كان الهرج والمرج يسود المكان والكل كان مستعجلاً ومذعوراً، فأركبونا بتاكسي وطلبوا منا الانطلاق بسرعة حيث وردتهم معلومات أن المعتدين يهرولون نحونا بعدما علموا أننا خرجنا من الباب الخلفي.

استقليت السيارة برفقة زوجتي وأخيها محمد ملص، ثم لحق بنا أحمد ملص وآخرون، وعدت إلى بيتي حيث كانت أمي وأخوتي وبعض أقربائي بالانتظار، وكانت لحظة لقائي الأهم هي عندما رأيت صغيرتي جولي التي ما إن رأتني حتى قالت ضاحكة “بابي” وركضت وارتمت بأحضاني ورحت أقبلّها وأعصرها ودموعي تذرف، ليس شوقاً فحسب….بل أملاً بمستقبل أفضل لأولادنا.

هذه هي شهادتي عما حصل معنا خلال الأيام الثلاثة تلك، تجربة أعدها مساهمة بسيطة جداً أمام ما يقدمه السوريون لأجل حريتهم.

أعود وأقول إن ما رأيناه لا شيء يذكر مما يراه ويعانيه آلاف المعتقلين السوريين الذين لم يتوفر لمعظمهم ما توفّر لنا من معاملة خاصة، ومن تغطية إعلامية…لأجل هؤلاء أقدّم وعدي بأنني سأعمل في المرحلة القادمة على توثيق تجاربهم وكشف معاناتهم، وبأن القلم الذي أكتب به الآن إنما أُسقط في يدي لأجلهم جميعاً، وأن لهم حقاً في رقبتي سأوفيه بإذن الله.

منقول عن صفحة إياد شربجي على الفيسبوك

Posted on يوليو 24, 2011, in المعارضة, تقارير, تحقيقات, ثورة الحرية السورية, جرائم الأسد, حقوق الإنسان, سوريا, سورية, شبيحة الأسد and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليقاً .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: