لماذا نحن ( العلويون ) مع الأسد – المقال 3 (4 مقالات)

الإستعمار الفرنسي، اليوم ثبت لأي محايد، أنه ذو فضل على سوريا، لا بد لنا أن نعترف بهذا، أخرجناه وحررنا بلادنا منه ورفضناه ، نعم، ولكنه زرع بسوريا أساسات قوية، لسوريا الحديثة، أنشأ مدارس وجامعات، أحزاب ومؤسسات، نتندر اليوم بواقعة سجلتها كتب التاريخ، أن الجيش الفرنسي، حين كان يلاحق مطلوبا، ويدخل هذا المطلوب إلى دار عبادة، يتوقف فورا عن ملاحقته ولا يدنس دار العبادة بالعسكر، ونحن نرى ما نراه اليوم من جنون الأمن السوري،  حقيقة رغم كل ما فعله الفرنسيون فلا بد أن نعترف بآثارهم الإيجابية على بلدنا، ما يهمني أن سوريا إرتقت بتلك الفترة بشعبها، بالناس أنفسهم إرتقوا بشكل غريب جدا، إنتشر العلم، وإنتشرت القومية، وأنتشر فكر المساواة، وعدم الفرق بين الأديان والطوائف بمختلف أشكالها، كان للطائفة السنية بذلك الوقت فضلا كبيرا بارتقاء سوريا، بقيادة مسيحية وتوجيه مسيحي متواري تحت السطح، بذاك الوقت تعرف عائلتي شخصيا قسا مسيحيا ، أسمى إبنه اسما إسلاميا ، فقط على إسم صديقه المسلم، وهو قس خوري أبونا يعني صار إسمو أبو علي مثلا، السبب فقط محبة صديقه كما يقول ، بذاك الوقت مثلا نضال الأشقر أسمت أولادها عمر وخالد وهي مسيحية، لا يمكن فصل لبنان عن سوريا بتلك الفترة.

إنتشرت الأحزاب السياسية، إنتشر التعليم، نحن كطائفة علوية، يسكننا هاجس الخوف التاريخي، والظلم والجور المزروع بنفسيتنا منذ الصغر، لم نلحق بهذا الركب كما يجب، لكن قلة منا لحقت به، فتعلم بعض أفراد الطائفة بمجهود ذاتي، وضمن فقر مدقع، حافظ الأسد نفسه لو تعرفون كم قاسى إلى أن أخذ البكلوريا، كم كان يمشي فقط ليصل إلى المدرسة بطفولته، ليس مثل هذا الكديش إبنه الذي لم يعرف معاناة بحياته، كما شارك هؤلاء بالحياة السياسية، بالأحزاب ، وخرج منهم مفكرون ومؤسسو أحزاب، لكن التوجه الأكبر كان بإتجاه الجيش، فقد ساهمت الظروف بتوجهنا للجيش ، الفقر أولا كان أهم الأسباب، التي تمنعنا من إكمال التعليم حافظ الأسد مثلا بعد البكلوريا، ما كان يستطيع متابعة تعليمه فتطوع ضابطا، ميزات الجيش بالنسبة لنا كانت ميزات كبيرة جدا، بينما إعتبرها إخوتنا منقصة أن تكون عسكريا، عزف أغلب أهل السنة عن الإنخراط بالجيش فقد كان يعتبر عملا مهينا، بينما نحن إندفعنا ومعنا بقية الأقليات، وإنخرط ضباطنا أيضا بالعمل السياسي، فاختارو أحزابا علمانية ، نحن العلويون علمانيون بالفطرة، مذهبنا غير متشدد على الإطلاق، بل لربما يعتبر أفضل مذهب إسلامي يناسب العصر، لا نجد حرجا من فصل الدين عن الدولة بل لربما العكس نفضل هذا، أكثر الأحزاب التي إنتمينا إليها كانت، الحزب القومي السوري، والشيوعيون، والبعث، ولا مانع من التذكير، أن من كبار دعاة الحزب القومي بسوريا هم من آل مخلوف، الإقطاعيين، الذين تزوج حافظ إبنتهم أنيسة خطيفة، والذين تحولو من عائلة راقية مثقفة لها ثقلها بالمنطقة، إلى عصابة همجية دموية لا هم لها إلا تكديس المال والنفوذ والسلطة ، مؤسف جدا، حتى عائلاتنا الراقية التي كان يجب أن تقودنا إلى حال أفضل ، إنحدرت هي إلى الأسوأ.

حصيلة تلك الفترة الذهبية من تاريخ سوريا الحديث، كانت للمجمل السوري، إرتقاء بشكل عام وإنفتاحا على الآخر ، وتقبلا له، وفصلا للدين عن السياسة، ليس فصلا تاما، ولكن شيء جيد جدا مقارنة بم نراه اليوم،  حتى أن أهل درعا إنتخبو فارس الخوري، المسيحي، وجعلوه مسؤولا عن الوقف الإسلامي، هذه ليست نكتة بل حقيقة، ما يدل على الإنفتاح ليس إنتخابه، بل تسليمه ملف الوقف الإسلامي، من زكوات وأموال قصر وأيتام، يعني إنتخبوه مفهومة قد يكون تحالفات قد يكون محبوب قد وقد…..، ولكن أن يسلم من المسلمين أموال الوقف الإسلامي، فهذه لعمري يجب أن تسجلها كتب التاريخ الحديث، ولعل الأحزاب الإسلامية بتلك الفترة، كان أكثر إنفتاحا من أعتى الأحزاب الليبرالية اليوم.

تدخلنا بالإنقلابات العسكرية كان قويا، لم يكن بالبداية من أجل طائفة أو ما شابه، ولكن حين أصبح لدينا ضباط كبار بالجيش، أصبح كلا منهم يحاول تشكيل كيانه العسكري الخاص، الذي يضمن به ولاء شخصيا له، هذا الشيء موجود بأرقى دول العالم إلى اليوم، كل قائد يجلب من يثق بهم، ونحن أنشأنا كيانات خاصة بنا، وشيئا فشيئا أصبحنا قوة تستحق الذكر بالجيش، كان إرتباطنا ببعضنا قويا، فقد عشنا بنفس الظروف، ونفهم بعضنا نفهم معاناتنا نفهم مظلوميتنا، كثيرون منا خرجو من الطائفية إلى العلمانية، وتقدمت الطائفة بفضلهم وتطورت، ولكن ليس كما تطورت سوريا، لن أدخل بمتاهات الإنقلابات العسكرية، التي هي بنظري تدل على قوة وحراك الشعب السوري بذاك الوقت، فرغم كثرتها، لم تكن دموية، بالمفهوم الدموي الذي نراه اليوم،  وكان يغلبها بالنهاية الطابع المدني للدولة، بمعنى الإنقلابات كانت تغطي نفسها بغطاء سياسي مدني تحكم به، لم يكن حكم عسكر، بل كان مزيجا سوريا خاصا من مدنية وجيش، لعل التطور السوري حال بينه وبين الخلاص بسوريا إلى دولة حديثة فعلا، هو فصل الجيش عن الدولة، لو أن المدنية السورية إستطاعت فصل المؤسسة العسكرية عن السياسة تماما، لكان لسوريا وجه آخر، ولكن هذا لم يحصل.

مع هذا المد القومي الهائل للسوريين، وإرتقاؤهم الفكري وتسامحهم الديني ، برز نجم للقومية من مصر، ناصر، ركب ناصر موجة القومية، التي قامت بفكر السوريين، وأحسن إستخدام الإعلام، فانساق السوريين معه ، وعشقوه إلى حد الثمالة، أصبح حلما عروبيا يتحقق، وإندفعت الأحزاب بأذرعها المدنية والعسكرية ممثلة بضباط من مختلف أنحاء وطوائف سوريا، لدفعه إلى الوحدة، المد القومي للسوريين أعمى بصيرتهم، لم يفكرو جيد بأن ناصر أولا وأخيرا رجل عسكري، لن يتأقلم مع الحياة المدنية، لم يعرف المصريون نسيجا مختلفا كالنسيج السوري، فهم مثلا يعتقدون أن المسلمين جميعا مثل بعض، والدنيا عندهم مسلم وقبطي، بينما نحن سوريا بها ما يزيد عن مائة طائفة دينية، شرط ناصر الأساسي، كان يجب أن يرفضه السوريون، حل الأحزاب وإنهاء الحياة المدنية ، والتسليم له بكل شيء، يعني ديكتاتور بالمختصر المفيد،  ببلد يغلي قومية وفكرا وسياسة وأحزاب وعلم وثقافة، ليحكمه أخيرا ديكتاتور، المد القومي جعل ناصر بطلا، والسوريون تنازلو عن كل شيء من أجل تحقيق حلمهم، فسلمو ناصر كل شي.

أما نحن العلويون فقد كان لنا وجهة نظر أخرى، لم نرضى أن نسلم ناصر كل شيء، لم نثق به، فنحن رغم ترحيبنا بالمد القومي، وشعورنا بقرب نهاية الظلم الديني، لم نستطع أن نسلم رقابنا لعسكري مصري، حافظنا على تكتلاتنا، التي كانت كالحلم بالنسبة لنا،  داخل المؤسسة العسكرية، ومن غير المعقول أن نسلم حلما تحقق إلى من نجهل، مارس ضباطنا نفوذهم بحيث لم يتأثر ضابط علوي واحد ، ومن الأقليات الأخرى، شعرنا بأهمية الأقليات وتوحدها مع بعضها ، لم نأبه بم يجر لغيرنا وخصيصا للسنة بالجيش، جرت محاولات لإضعاف الجيش السوري ، عبر تسريح ضباطه الأكفاء، نحن لم يحصل معنا هذا ، فقد كنا على كثرتنا بالجيش، لكننا لم نكن بوجه المدفع، فحصل أن ضعف السنة بالجيش، واعتبرو أن الجيش لا دين له، بينما نحن الأقليات ديننا معنا لا نتركه أبدا، لأننا بفضله وبفضل تجمعنا حول معتقداتنا حافظنا على وجودنا، النتيجة النهائية كانت زيادة نفوذنا وقوتنا بالجيش، على حساب غيرنا، مع إنتماءات حزبية علمانية سياسية، كان حزب البعث أهمها ، فقد كان مثلا للمد القومي، مؤسسوه من أديان متنافرة، فكر وأحلام ومثاليات، يناسب عقلياتنا، كان ضباطنا الكبار مع بعض السياسيين، من طائفتنا وممن آمنو بسوريا واحدة لكل شعبها، كنا نعمل بقوة، إلى أن وصلنا إلى قيادات عسكرية فاعلة ومؤثرة ،وأصبح لنا نفوذ حقيقي وكبير جدا بالجيش،ونملك الكثير من الحل والربط،  فدعمنا ضباطنا وضباط الأقليات ، بحكم الفطرة والإنجذاب الفطري إلى من يشبهك، وساهمت الظروف والنظرة القومية للسوريين ، بعدم ممانعة وصولنا إلى رأس الهرم بكل معنى الكلمة بسوريا، وكانت الفرصة التاريخية الكبرى لنا، بتحويل سوريا تحت قيادتنا إلى دولة مدنية عصرية دينها القانون، بتأييد سوري شعبي عارم،أذكر هنا، إسالو آباؤكم كيف هبت سوريا كلها مرحبة بإستلام حافظ الأسد لرئاسة سوريا..

ليعذرني الجميع فالحقيقة أني سلقت الأمور سلقا كما يقولون وخلطت بعض الأمور ببعضها البعض لأصل إلى ما أريد، ولا أخفيكم أنني أعمل على كتابة كتاب ، عن مقالاتي الأربعة هذه ، وبمخيلتي قد يصل عدد صفحاته إلى الألف، وسأضمنه وثائق كثيرة، بدأت العمل عليه منذ ثلاثة أشهر، الأفكار العامة هي ما أوردته بالمقالات الثلاثة وسأنهيها بمقال رابع، عن فترة حكم الأسدين، وكيف سنحت لنا كطائفة علوية فرصة رائعة، ضاعت منا ولن تتكرر أبدا،، وأعتقد أنني سأنهي كتابي بظرف ثلاث سنوات، بمساعدة بعض المخلصين ، سأوثق قدر الإستطاعة ، وسأصوره بنفسي، وأطرحه بكل مكان مقروء على الإنترنت، إلى أن تتغير الظروف، وأطرحه بإسمي الشخصي دون خوف لا من طائفتي، ولا من سواها……….

عباس علي

المصدر: https://www.facebook.com/note.php?note_id=173563699395603

Posted on أكتوبر 31, 2011, in Syria/سورية, آراء, الإسلام, تاريخ, جرائم الأسد, حافظ الأسد, سوريا and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليقاً .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: