لماذا نحن ( العلويون ) مع الأسد – المقال 4 (4 مقالات)

إذا وصلنا إلى الستينات، برتب عسكرية رفيعة، ومناصب قيادية وأحلاف داخل الجيش تحل وتربط ، طبعا القصة معروفة، كم وجه سني أهبل بالواجهة، حتى لقب أحدهم بالجحش، وأبناء عائلات عريقة، ليسو بمستوى الساسة الحقيقيون، ببساطة، لم يكن أسهل من التلاعب بهم ،بلهاء بكل ما تحمله الكلمة من معنى،   أمسك رجال من طائفتنا بكل شيء، عرفو من أين تؤكل الكتف، القوة ، السيف أصدق أنباء من الكتب، الجيش، تغلغلو فيه، لن أطيل أصبح لنا ثقل كبير بالجيش، ولكن لم نتمكن تماما ، من السيطرة على الوضع، ما زال هناك حياة برلمانية، ما زالت الأصوات المدنية مسموعة، أبرز رجالنا كانا صلاح جديد، وخلفه حافظ الأسد ، هؤلاء الرجال الحقيقيون، الذين وصلوا إلى ما وصلو إليه، وكأنهم شقو نفقا بجبل مستخدمين إبرة، وطبعا الكل يعلم منزلة زكي الأرسوزي ، وغيرهم كثر، رجالات وهامات من الطائفة العلوية، أثبتو أن هذه الطائفة هي سوريا الحقيقية، لقد كان لرجالاتنا بتلك الفترة مجهود جبار، نحتو الصخر ووصلو، كان بيدهم أن يخرجو طائفتنا الى النور، ويظهرو وجهها الحقيقي لكل سوريا، وجهها المشرق البسيط الطيب ، كان أمل أبناء الطائفة العلوية بهم كبيرا جدا، إصطفت ورائهم الطائفة بكل قوتها، كان حلما يتحقق، أخيرا سنعيش.

إعتقد صلاح جديد، أن الأسد تابع تمام التبعية له، لم يخطر بباله يوما أنه سينقلب عليه، من منظور طائفي بالدرجة الأولى،، تقاسما كل شيء، ولكن بزيارته السرية الى إنكلترا ، إجتمع الأسد خلال أربعة أشهر مع بعض الفاعلين والمؤثرين الحقيقين على السياسة بالمنطقة، طرح نفسه بشكل غير مباشر، لاقى القبول والتشجيع، فهم الأسد أن اسرائيل هي مفتاح المنطقة، لم يخطط بداية بشكل واضح للإنقلاب، ولكنه أعد له كل ما يلزم، كوزير دفاع ، إستطاع إبعاد كل خصومه، بمن فيهم حلفائه أيضا، عن الجيش، إنشغل جديد بالدولة، وتفرغ الأسد لترتيب الجيش لنفسه، إختلف الرجلان بشدة بعد هزيمة 1967، إنسحاب الأسد العبثي الغير مفهوم من الجولان، كانت وجهة نظر الأسد هي حماية الجيش العربي السوري ، من التدمير، وكان جديد موافقا على ذلك ولكن ليس بتلك الطريقة المهينة، ، بدا واضحا أن مركز القوة أصبح بيد وزير الدفاع، فقد جرت محاولات للإطاحة بحافظ الأسد، ولكنه كان أقوى، إلى ان رفض الأسد كوزير للدفاع  تنفيذ أوامر القيادة السياسية ممثلة برئيس الجمهورية، ولم يزج بسلاح الطيران في الحرب بالأردن، ذاك السلاح الذي يدين بولاء كبير لوزير الدفاع، وصدر الأمر بعزل الأسد من منصبه، والترتيب لمحاكمته، فقلب الطاولة على الجميع، وسجن الأتاسي وجديد ، كان إنقلابا سريعا جدا، ومحضرا له بشكل جيد، وموافق عليه من أغلب القوى المؤثرة بالمنطقة، الأسد الأب كان مخططا جيدا، وبارعا في عقد التحالفات والولاءات.

ما تكلمت عنه بعشرة أسطر هنا، نحتاج إلى توثيقه، كأهم فترة في تاريخ سوريا الحديثة، لم يكتب بشكل جيد عن تلك الفترة، المراجع عنها قليلة، والمصادر مشكوك بها، تتبع بالدرجة الأولى لآراء كاتبها، نحن بحاجة إلى دراسة تلك الفترة، ومعرفة ما جرى بدقة، من أناس عاشو وعاصرو وشاركو بتلك الأحداث، بصراحة تحتاج إلى كتاب كامل، لا أدري إن حالفني التوفيق بهذا الإختصار الكبير لتلك الفترة المفصلية، نتيجتها كانت ما سمي حركة تصحيحية، لم يسمه إنقلابا، أراد أن يشير إلى إختلاف هذا الإنقلاب عن سواه، وفعلا كان مختلفا، السوريون بداية رحبو بالأسد، فقد كان هناك حنق كبير من هزيمة 67، ومن أداء سوريا المهين بتلك الحرب، وكان الناس ينظرون للأسد كإبن للشعب، عاش الفقر وعانى أشد المعاناة، إستغل الأسد الإعلام جيدا، روج لنفسه، غيب عن الناس البديهية التي تقول، أن وزير دفاع خسر حربا، بدل أن يعزل، يكافئ ويصبح رئيسا،  لم يكن دمويا ببدايته، إنقلابه كان سهلا وبسيطا ولم يشهد ذاك العنف أو الدم، سوريا بمجملها ، رحبت بالأسد، تأمل به الناس كل خير، في أن يقود البلاد إلى إزدهار ويعيد لسوريا هيبتها وكرامتها التي داستها إسرائيل بأقدامها.

لم يتأخر الأسد، كان يعرف جيدا ، بحكم مشاركاته بنفسه في الإنقلابات السابقة، فقد عرف كيف يتم طبخ هذه الإنقلابات، فسرعان ما أبعد كل الطهاة، بالنفي بالقتل بالتسريح بأي شيء، قصة محمد عمران مثلا، تظهر صلابة الأسد، فقد قتل أقرب الناس إليه، حين شعر بخطر قد يأتي منه،  المهم خلال سنة واحدة، ضمن نصف الجيش على الأقل، تم التخطيط لحرب تشرين، كانت كارثة أخرى على سوريا، فقد ثبت بها أن ما جرى للجيش على يد كبار الضباط، من تسريحات وتكتيكات وتحالفات وإنقلابات، جعلت ذاك الجيش ضعيفا مهلهلا، بدهاء الأسد الأب، إتفق مع القوى العظمى على رمي عظمة له ، وتصوير أن نصرا وهميا جرى، واحتفلت سوريا بالنصر، ورفع الأسد علما على أرض محررة، وتم الإتفاق على هدنة مهينة لسوريا، الأسد الأب كان ذكيا وواقعيا، فقد كان يعلم حال جيشه وضعفه، فهادن كنوع من التكتيك، عرف أن اسرائيل هي المفتاح، فهادنها، وعرف أنها المفتاح أيضا الى تثبيت سلطته،أطلق الشعارات ضدها، ناوشها هنا وهناك بعمليات صغيرة سخيفة لا تحرر شبرا، رضيت اسرائيل بهذا وشجعت عليه، أستغلها الأسد من أجل كرسيه برضاها ومباركتها، فصور نفسه بطلا بحرب وهمية ضدها، وعقد معها هدنة عسى ولعل يعيد بناء الجيش والدولة، ليغير بعضها من نهجه، هذا طبعا لم يحصل لاحقا.

إهتمام الأسد بالجيش كان كبيرا جدا، بحكم معرفته أن الجيش هو مطبخ الإنقلابات، أخذ يفرغ هذا الجيش من محتواه، خوفه من إنقلاب ، جعله يدمر الجيش، فقد سرح أغلب ضباطه الأكفاء شكا في ولائهم، أجرى تنقلات كثيرة جدا بصفوف الجيش، جعلت الكثيرين يعترضون، وكان نصيب المعترض التسريح، أخذ يضيق على أي ضابط مشكوك بولائه، كافئ ضباطه العلويين الذين إعتمد عليهم للوصول، سلمهم الفرق الرئيسية، إهتم بالأمن بشكل غير مسبوق، قسمه إلى أفرع كثيرة، جعل كل فرع مستقلا تمام عن الآخر، خوفا من إتفاقهم معا، وراقب بشكل جيد جدا، كل من هو مشكوك بولائه، لم يتردد أبدا بالبطش بأي محاولة للنيل منه، ولكنه كان قلقا، وخائفا من إنقلاب عليه، فأنشأ ميليشيات خاصة جديدة بالجيش، يكون ولائها خاصا به، بقيادة من يثق من أقربائه وطائفته، خلال عشر سنوات، أصبح الجيش تقريبا بمجمله يدين بالولاء للأسد، عبر ضباط مختارين بعناية، ومعروف عنهم أدق التفاصيل، كان يمسك بكلا منهم من رقبته بكل معنى الكلمة، لم يكن الأسد ممن يهمه بهرجات الدنيا، لم يكن جشعا محبا للمال، لم يكن نسونجي، كان شخصا محافظا، ولكنه أمسك جيدا برقاب مؤيديه ، قبل معارضيه، عبر ملفات فساد وسرقات ، كان كل شيء بيده، ويشعر مؤيديه بمعرفته لكل شيء، وأنه يتركهم يسرحون ويمرحون تحت لوائه، فإن شك للحظة بتزعزع هذا الولاء، لا يتردد بالبطش، بهذا التكتيك مع جعل القطع المؤثرة والفاعلة بالجيش حتى على مستوى العسكريين الصغار يدينون له بالولاء،  أمسك فعلا بالجيش والأمن، ودانت سوريا من الناحية العسكرية والأمنية له تمام الولاء.

أخطأ الأسد خطأ تكتيكيا كبيرا، حين تعامل مع الحياة المدنية، بنفس تكتيك تعامله مع الحياة العسكرية، فقد راقب الناس وأهدر أموال الدولة في سبيل ذلك، خوفه من إنقلاب جعله يراقب كل شيء، جعله يعطي الناحية الأمنية الأولوية، الناس بسوريا لم تعتد هذا، فقد كانت بلدا منفتحا، حرا، لم تعهد هذا القمع الرهيب، قرب إليه رجاله في المناصب المدنية، لم يهتم بالكفاءة، بقدر إهتمامه بالولاء، وطبيعي أن يثق بطائفته، فسلم رجالها مناصب ليسوا أهلا لها أصلا، ولكنه حافظ على شكل خارجي مقبول، وتحالف مع السوريين القبليين ، من أهل حوران وعشائر الرقة والدير، خوفه من أهل المدن ، جعله يعقد تحالفات، كان بارعا بحق، ولكن براعته كلها، لم تشفع له الظلم، ففي سبيل أمنه، ظلم ، أي معارض أو مشكوك بولائه، لم يتررد في سحقه، أسلوبه الأمني جعل الناس تكره حكمه، كطائفة ، خلال عشر سنوات، أنشأ من الطائفة ميليشيات عسكرية تابعة له، أعطى طائفتنا حقها، وفوق حقها ، سلطة، أعطانا السلطة، كنا كالمحروم من كل شيء، وفجأة أصبح لديه كل شيء، إهتم جدا بتنسيب طائفتنا إلى الجيش، ميزات رهيبة، بيت، سيارة، مال، عسكر كالخدم، فشيء طبيعي كإنسان محروم، أن تنجر وراء المغريات، فانجررنا خلفه كطائفة، وأصبح لا يخلو بيت من بيوتنا، من عسكري أو رجل أمن،

العشر سنوات الأولى، ضمن الأسد ولاء الجيش والمؤسسات الأمنية له، وخلق لنفسه تحالفات بكل سوريا، ورفع الأقليات وميزها عن بقية السوريين، وحوال أن يغير سوريا المدنية، إلى سوريا العسكرية، حاول أن يقضي تماما على مدنية سوريا، فكانت الثورة ضده، أحداث نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لم تكن حركة إخوان مسلمين كما إدعى الأسد، كانت إنتفاضة شعب حر أبي، يرفض القمع ويرفض الدكتاتورية، إنتفضت سوريا كلها، بم فيها قسم من العلويين، الحزب الشيوعي بشكل خاص، يذكر أبي تلك الفترة، كيف وزع مناشير، كيف أخذ يحرض كل من حوله، كيف كانت اجتماعاتهم السرية، كيف تحولوا إلى حركة مسلحة، كيف قاتلو، يذكر كيف كان يأكل وينام في بيوت رفاقه من السنة، كيف كان أصدقائه يعشقون فطائر الخبز بفليلفة التي كانت تعده لهم جدتي رحمها الله على التنور، كيف كان يخاف على أولاده وعائلته وأخفاها برا ضيعتنا خوفا من أن يعتقلو زوجته لكي يسلم نفسه، ثم كيف إعتقل ، وذهب من عمره تسع سنوات هدرا زار خلالها معظم السجون السورية فئة سبع نجوم.

ما حدث بالثمانينات، أن الحركة الإسلامية الإخوان المسلمين تحديدا، كانت أولا مخترقة من قبل الأسد، ثم كانت لا تقبل من ناحية دينية بتسلم السلطة لعلوي، إستخدم الأسد الإخوان وصورهم على أنهم من يقود حربا ضده، لكي لا يقال أن سوريا تنتفض ضده، وأقنع الغرب والدول المجاورة، أن هناك تيار إسلامي متشدد يريد تسلم السلطة، لربما هم كانو يريدون الإقتناع بهذا، لقاء ضمان مصالحهم عبر الأسد في المنطقة،  أخطأ الإخوان المسلمون وعقدو تحالفا مع الأسد، جرى إجتماع هام بدمشق، إتفقو خلاله على الصلح مع الأسد، في اليوم التالي، جرى تفجير قنبلة يدوية بالأسد نفسه، فداه حارسان شخصيان ، أحدهما مات، والآخر بقى يلاصقه كظله في كل مكان، كان عملية الإغتيال مدبرة من قبل الإخوان، إستغلو بها إتفاقهم مع الأسد وغدرو به، كشر الأسد عن أنيابه بشكل وحشي، مباشرة كان الرد بمجزرة سجن تدمر، ومن ثم ملاحقة كل إخوان سوريا ، عير قانون رسمي ، يحكم على المنتسب للإخوان بالإعدام ، كان إختراق الأسد للإخوان كبيرا جدا، فقد كان يعرفهم فردا فردا، شجعهم على إنشاء ذراع عسكري، وإعلان الجهاد، إستخدم الأسد الإخوان لتدمير سوريا، كانو كعادة المتدينين، لا يحسنون فن السياسة، لم يفطنو أن الأسد جعلهم واجهة ومطية ليركب سوريا كلها، فقد أصبح مثلا كبار الحشاشة، والقبضايات، من الإخوان المسلمين، حكى لي أبي عن شخص إسمه أبو علي الشريقي ، باللاذقية، كان حشاشا لا تنزل بطحة العرق من فمه ، كان ضبجي ، بمعنى يغتصب أطفال، المهم هذا الرجل ثار كنخوة وأنه قبضاي وشغل شوارع، فأخذ يقتل من رجال الأمن ، وقبضو عليه، وخرج على التلفزيون الرسمي، على أنه إخوان مسلمين، يضحك أبي قائلا، أن هذا الرجل لا شك أنه لا يعرف كيف يصلي،، ولا يعرف الله ولا حتى بالإشارة…..

بغباء الإخوان المسلمين، وتورطهم ببعض الإغتيالات السخيفة، ونظرتهم الضيقة للإنسانية من خلال الدين، إستغلهم الأسد الأب، وبطش ، وأي بطش، كان بطشا لا يصدق، كان رجال أمنه يدخلون أي مبنى سكني، يضربون الجميع بشكل هستيري، يقتلون أحد الرجال بشكل وحشي، أمام الجميع، أصبح صلاتك بالمسجد تهمة تذهب بك إلى السجن، كان البطش هو عنوان الكتاب ومضمونه، كلل بطشه بحماة، الجرح الذي لم يندمل إلى اليوم، دم حماة النازف، الذي لم يهدأ ضمير سوريا إلى اليوم من أجل حماة،

بنفس الوقت، قرب الأسد إليه رجال دين صوفيين، أكراد، كفتارو بشكل خاص، أطلق يده بكل سوريا، عرف الأسد أن الناس لا بد لها من دين، فتحالف مع كفتارو، وأطلق يده بسوريا، أصبح رجال الدين السنة بسوريا، جلهم من هذه الجماعة، إلى يومنا هذا، وهم في سبيل مصالحهم الدنيوية ، بيبيعو الله نفسوا بقرشين، والأسد لم يقصر معهم، أعطاهم الكثير، وجعلهم شركاء بالتجارة، أصبح التوجه السني السوري، صوفيا بحتا، مهادنا تمام لأي سلطة، ولكنه ، غطاء مزيف ، قد ينفجر بأي لحظة…

خلال ثلاث سنوات بطش الأسد بسوريا كلها، إعتمد ببطشه هذا، على من نظمهم خلال العشر سنوات، كميليشيات خاصة به، كانت بمجملها علوية الصبغة، سبق لي أن ذكرت، أنه شجعنا على الإنخراط بها، وأن البسطاء من شبابنا إنتسبوا لها وإستمتعوا بمغرياتها، صدق هؤلاء البلهاء ما قاله لهم رؤسائهم، من أن الإخوان المسلمين يريدون قتل العلويين، جعلوهم يقتلون سوريا كلها بإسم الإخوان، والأخوان ضحك عليهم الأسد ببساطة، ذراعهم العسكري كان مخترقا حتى العظم، حتى أن من أنشأ هذا الذراع العسكري، عاد إلى سوريا بمنتصف الثمانينات، وعاش بفيلا كبيرة بالمزة معززا مكرما، المهم ما جرى أنه إرتكب فظائع تقشعر لها الأبدان، بيدي شبان جهلة من حثالات الطائفة العلوية، الغريب أن هؤلاء الحثالات، فجأة أصبحو واجهة طائفتنا، غابت عائلاتنا العريقة ، مشايخنا ووجهاؤنا، أختفو، وحل محلهم حثالاتنا، مثلا آل الخير كمثال فقط ، طول عمرن وجهاء ومشايخ، أصبحو شيئا لا يذكر، بدل أن يخرجنا الأسد الى النور، أعتمد على سفهائنا في تشكيل ميليشيات، قتل بها سوريين بكل أنحاء سوريا.

بعد مجزرة حماة، دانت سوريا كلها، ركعت وسجدت للأسد، بالبطش، حقيقة كلمة البطش قد لا تعبر عن فظاعة ما جرى، إستخدم الأسد لبطشه هذا ، الإخوان المسلمين، بغبائهم ساعدوه بشكل رهيب، قصة حماة مثلا، ضحك عليهم صدام حسين، وجمع بعض الهاربين من سوريا وجندهم ودربهم ومولهم بالإضافة لبعض من جنوده، وعدهم بالدعم العسكري الخارجي، طبعا ضحك عليهم، كما ضحك عليهم الأسد، أعلنو الجهاد والإمارة الإسلامية بحماة، عصابة من خمسمائة شخص تريد أن تنشأ إمارة أسلامية، كانو مخترقين تماما، حركتهم تلك لربما تمت بتخطيط الأسد نفسه، وموافقته ومباركته لها، ومن ثم بطش بالجميع، حماة معقل الأصولية، دمرها عن بكرة أبيها، ساهم الأسد نفسه بنشر إشاعات حقيقية بأغلب الأحيان، عن البطش الرهيب، مما خلق الخوف، زرع بسوريا كلها الخوف، المخابرات أصبحت بدمنا، في منتصف الثمانينات، كطائفة علوية، كان سفهائنا ذراع الأسد الضاربة، ولم نتعرض كطائفة للبطش الذي جرى للسوريين، كحال بقية الأقليات، الأسد لم يكن غبيا، بطش نعم، ولكنه أيضا حالف، وتعاهد، وعمل صفقات، بدهاء شديد، قرب إليه أهل حوران مثلا، حوران اليوم فرط بها الغبي إبنه، كانت تعبد حافظ الأسد، المهم كطائفة علوية أصبحت غالبيتنا بالجيش والأمن، ميزات الجيش للعلوي كبيرة جدا، سلطة عسكرية، كل شيء ببلاش، سيارة، بيت، أكل ، شرب، العساكر كان الضابط يستخدم كل مهاراتهم بأمور شخصية، بكل بساطة بيبني بيتو وبيفرشوا بالكامل، من طاقم من العسكرين، ببلاش،  أصبح المجندون خدما للضباط، لم يعد الأسد الأب يهتم إلا بكرسيه، فتحول الجيش الى ميليشيات لخدمة الضباط، وإرهاب الشعب ، الأسد نفسه تحول شيئا فشيئا من رجل وطني مخلص، ومفكر كبير، ورجل داهية وسياسي بارع جدا، تحول إلى دكتاتور، وديكتاتور ظالم.

خلال حياته قرب إليه طائفته، سلمها كل شيء، مجرد كونك علوي كان يفتح أمامك الأبواب للتوظيف، للترقية، للقيادة،أعمت الدنيا أعيننا، تورط مجملنا معه، عشرون بالمئة من طائفتنا أصبحت فوق الريح، مال وخدم وحشم وسلطة وقوة، وثلاثون بالمئة أصبحوا من الطبقة الوسطى ، وفوق الوسطى، بينما بقي نصف طائفتنا فقيرا، ولكننا بالمجمل مع الأسد، ساد بيننا أن الأسد هو من إنتشلنا من الوحل الذي كنا فيه، بطريقة ما نسيت طائفتنا رجال أخر من طائفتنا، كان لهم  فضل أكبر بانتشال الطائفة، من مفكرين وسياسين، ونسيت رجال سوريا الحقيقيين بالفترة الذهبية من تاريخ سوريا، بالخمسينات والستينات، هؤلاء الرجال الذين فعلا آمنوا بكل سوريا بكل طوائفها وتنوعها، وصار الأسد كل شيء، هناك من طائفتي من يرفعه فوق الرب، لا نمزح بهذا، فهو مقدس بكل معنى الكلمة، الأسد الأب كان مخلصا أيضا ويعترف بالجميل، نظرتي الشخصية إليه، بالمجمل أراه عبقريا وشخصا مهيبا ورجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أعتقد أنه كان مخلصا ببداياته لسوريا، خلط بين مصلحته ومصلحة البلد، ولكن من أجل الكرسي، إنحرف عن الجادة والصواب، من أجل كرسيه خسرت سوريا، فرصة حقيقية لتصبح أهم دولة في المنطقة كلها، كانت بلدا تبشر بأنها ستكون منارة ، بقوميتها، بإنفتاحها، بعلمانيتها، بثقافتها، من أجل كرسيه، هجرها خيرتها، نخبة سوريا هربو خوفا من البطش، ولائك للأسد أصبح أهم شيء، حياتك متعلقة بهذا الولاء، هرب من سوريا ربما ما يقدر اليوم بعشرة مليون سوري، هم زبدتها هم خيرتها، وتحولت سوريا على يده من دولة هامة محورية، إلى دولة يعيش رجالها هم لقمتهم، وهم تأمين رغيف الخبز، وخوفا وقمعا لم تعرفه دولة بهذه المنطقة عبر التاريخ كله، بأشد لحظات التاريخ سوادا لم يمر على سوريا قمعا كقمع الأسد، لعب على بعض التناقضات الخارجية، ولكن الهدف كان كرسيه فقط، وليس مصلحة سوريا.

من أجل كرسيه، فرط بنا كطائفة، قد يكون صحيحا أنه حالنا أصبح أفضل بكثير من الماضي، لا مجال للمقارنة حقيقة بين ماضينا وحاضرنا، ولكن هذا كان سيحصل سواء أتى الأسد أم سواه، مع توجه سوريا القومي والعلماني بفترتها الذهبية، كانت طائفتنا حكما ستتحرر، وأجزم أن حالها كان سيكون أفضل لو إستلم الحكم سوريا غيره، من الطائفة السنية تحديدا، ما أقصده، ان سوريا كلها تطورت، ونحن سنتطور معها بشكل عام، مع الأسد، تطورنا أكثر، على حساب غيرنا، وتورطنا معه، من أجل كرسيه ، بالدم السوري، وهذا على المدى البعيد، سيطيح بنا إلى الجحيم، قد يندفع بعضنا ويقول، لا حياة لنا من غير الأسد، قد يكون هذا به الكثير من الصحة، ولكن، دعني أقول له، أن قصة إلى الأبد مستحيلة، لن يدوم لنا الحكم، لا بأسد ولا بسواه، هذا حال الدنيا، مستحيل أن يدوم، لعل تركيزنا على شعار إلى الأبد، محاولة ساذجة لتنسينا، أنه لا شيء إلى الأبد، فعلى عقلائنا ، إن بقي بنا عقلاء، أولا قبل كل شيء، التبرؤ من الأسد وعصابته وجرائمه، ومحاكمتهم جميعا، على جرائمهم، ثم التفكير بشكل جدي، بمخرج يكفل لنا الحياة الكريمة، لن نرضى أن نداس بالنعال كما في السابق، لن نرضى بحجة العدل أن يساق أغلبنا إلى المحاكم والسجون، لن نرضى بهذا، لا بد من حل ، لهذا أنادي بالدولة العلوية، المدنية العصرية العلمانية، التي لا أسد فيها، ولا شيء يشبهه، لم أجد حلا آخر.

عزيزي القارئ، الخلاصة،  نحن العلويون اليوم مع الأسد، بفضل ذاك العبقري أباه ، وليس من أجل بشار نفسه، فجلنا يعرف أنه غبي، ولكن حافظ الأسد لم يمت، ما زال يحكم سوريا من قبره……….

عباس علي

المصدر: https://www.facebook.com/note.php?note_id=175749509177022

Posted on أكتوبر 31, 2011, in Syria/سورية, آراء, الإسلام, تاريخ, جرائم الأسد, حافظ الأسد, سوريا and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. تعليق واحد.

  1. كارثة هي النتيجة التي وصلتَ إليها ، ليتني انصرفتُ إلى اي شيء آخر أقرأه و استفيد منه …
    لم تجد حلا سوى بقيام دولة علوية ؟؟
    يا رجل، قل غير هذا ..
    العبقري أباه ؟؟
    بربك ؟
    هل كل تلك التراجيديا من أجل أن تصل إلى هذه النتيجة الفاجعة ؟
    تبت يداك .. تخيلتك مثقف ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: