أرشيف المدونة

صور من قلب الجريحة، سوريا

صورة من حلب، الأهالي ينزحون - Syrians ride in a car with their belongings to escape the the fighting in Aleppo October 16, 2012. REUTERS/Asmaa Waguih

طفل سوري مصاب يتألم من جراحه - A little Syrian boy suffering Assad crimes injury pains

طفل يقف في ساحة بيته الذي أصيب بقذائف ميليشيات الأسد - A boy stands in the courtyard of his house next to a room that was damaged in a mortar attack in a northern Syrian city. His father was seriously wounded and the boy received slight wounds when the shell struck the house as the family was eating.

بشار الأسد (المعروف أيضاً بـ البطة أو يفضل الخنزير) المسمى رئيس عصابة سورياSyria’s President Assad is depicted as a duck in graffiti in a village in the Jabal al-Zawiya area. The graffiti pokes fun at a leaked email exchange between Assad and his wife Asma in which she refers to him by his nickname “duck.”

بشار الأسد يستعد للدخول إلى القصر الجمهوري - Bashar Assad getting ready to walk into republic palace

الطرطيرة، سيارة إسعاف الجرحى الموجودة في سوريا بفضل جرائم الأسد - Syrians deliver an injured civilian to a hospital in the northern city of Aleppo on Saturday, following shelling by government forces. Tauseef Mustafa

لماذا نحن ( العلويون ) مع الأسد – المقال 1 (4 مقالات)

إن سوريا اليوم على شفا حرب أهلية ، وإن هذه الحرب لقائمة إن لم يك اليوم فغدا ، أكتب رؤيتي لموقف الطائفة العلوية، محاولا قدر الإمكان ، أن أكون حياديا متجاوزا إنتمائي إلى هذه الطائفة ، وأعلم أنني لن أوفق ولكن سأحاول قدر استطاعتي ، وأعلم أن حبي الشديد لبيئتي وضيعتي وأهلي ومجتمعي ، سيقلل من حياديتي ، ولكن آمل أن تكون نظرة من إنسان عاش ضمن هذه الطائفة ويعشقها إلى حد الجنون ، رغم أنه عقائديا ليس منها.

لكي نفهم موقفنا من الأسد اليوم ، لا بد أن نرجع للوراء ، الى ألف سنة ،  فنحن نعشق الماضي ، وقصصه تحكى بيننا منذ نعومة أظفارنا ، ونسقط ماضينا على حاضرنا ، ولم ننجح بالخروج من المظلومية التاريخية المعقدة أشد التعقيد ، رغم وصولنا إلى الحكم وتفردنا به ، ما زالت هذه المظلومية تعشعش فينا ، ما زال الخوف من الآخر يسكننا ، ما زال خوفنا من التكفير وبسطار الله ورسوله يرجعنا الى الوراء ألف عام ، لا أدري حقيقة لم لا تستطيع آذاننا سماع سمفونية غير سمفونية التاريخ ، ولم نسقط ما جري منذ ألف عام على ما يجري اليوم ، سأحاول أن أعرف ولن أعرف، لأنني أنا نفسي لم أخرج بعد من هذا الطوق.

عقائديا لا أعرف بالضبط تاريخا محددا لطائفتنا ، فهي بشكلها الحالي ربما تكونت بعد وفاة الإمام الحادي عشر بم لا يقل عن مئتي عام ، وكان أن اعتمدنا على أحد بواب المهدي ، واقتصرت عقيدتنا على ما جاء به من تعليمات من المهدي المنتظر ، وخالفنا بذلك كل الفرق الإسلامية الشيعية الأخرى ، حيث لا يعترف ببابنا إلا قلة منهم، ولفترة قريبة كان أكثر من يخرجنا من الملة هم الجعفريون ، طبعا عقائدنا لن أدخل بالتفاصيل ، لأنني بصراحة لا أهتم بها ولا أعرفها جيدا ، يكفي أن أقول أنها قديمة قدم البشرية ، لربما قبل أن يخلق آدم نفسه ،  ما علينا هذا أمر عقائدي ، تبقى عقيدة كلا منا أمر يخصه ، ما دامت لا تؤمره بالإعتداء على غيره ، المصيبة أن سوانا لا يؤمن بالسلام مع الآخر،  ،  ما يهمني هو أثر هذه العقيدة على حياتنا كطائفة ، وتأثيرها الشديد على موقفنا اليوم من الأزمة التي تمر بها سوريا.

تاريخيا لم تنل عقيدتنا على رضا أحد، وحوربت بشكل كبير ، وحوصرنا وحوربنا من كل الطوائف الأخرى ، بم فيها الطوائف التابعة للحاكم ، والمعارضة للحاكم أيضا ، مما جعلنا بين فكي كماشة ، وجعلنا نخفي عقيدتنا خوفا على حياتنا ، فلم يكن صراعا متكافئا ، ولم يكن نقاشا بم يسمى الخلاف لا يفسد للود قضية ، بل كان يقطع رأس القضية ورؤوسنا ، فأغلب المؤمنين بعقيدتنا قتلوا وأبيدوا ، وبقي قلة من السوريين منهم ، لن أخوض بتفاصيل حقيقة لا أعرفها جيدا ، ولكن نتائجها ، أننا اخترنا التقوقع في جبال وعرة ، وانعزلنا عن بقية الطوائف ، في سوريا ، حيث كان الحكم سياسيا أكثر منه دينيا ، فكان إمكانية وجودنا أكثر من أماكن أخرى ، لإنفتاح الشعب السوري منذ قدم التاريخ على عقائد مختلفة.

رغم هذا الإنفتاح لكن عقيدتنا بشكل خاص كانت مستهجنة من الجميع ، فكانت السرانية هي الحل ، ورضينا أن نكون تابعين لسوانا ، وحافظنا على هويتنا وعقيدتنا ، لم نختلط بالبقية وبقي عرقنا صافيا نقيا ، ولربما إلى اليوم نحن أكثر السوريون نقاء وانتماء وتعلقا شديدا ببلدنا وضيعنا وتراثنا وقيمنا ، فنحن نعشق أمور قد يراها سوانا سخيفة، ونحن هي تعني لنا الكثير ، فكاسة المتة بالنسبة لي أساسية لا أعيش من غيرها ،  وتذكرني بسطح بيتي في ضيعتي بسهراتي بعشقي بصحبتي ، بينما هي وسيلة يتمسخر بها علي بقة السوريين ، نحن نحمل ضيعتنا وجبلنا وقريتنا وتقاليدنا هناك الى كل مكان ، هي بدمنا حتى لو عشنا بالشانزليزيه ، عند برهان غليون.

عشنا ظلم نظم الحكم المختلفة، كما عاشها بقية السوريون ، ولكن بالنسبة لنا كان ظلما مضاعفا عدة مرات، وكان كثيرون من السوريين يروه ظلما مستحقا ، لخلفيتنا الدينية والعقائدية ، لا ننكر مثلا أن نظام الإقطاع مثلا كان نظاما عاما، ولكن مع طائفتنا كان الظلم أشد ، كان ظلما يضاف إليه إهانات دينية عقائدية شديدة جدا ، وإهانات شخصية جدا عانى منها الجميع ، لم يتقبل إخوتنا في الدين والوطن عقيدتنا ، فقد كنا بالنسبة لهم كفار بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، لم يتقبلوا إسقاطنا لم يروه أساسات دينية ، كالحج والصلاة والصيام ، فنحن معرفتنا تكفينا عن هذه الفروض ،  فكان أن استبحنا ، وقبلنا ورضينا أن نستباح ، رجالا ونساء كان ينظر إلينا أننا لا شيء ، عبر مئات السنين ، وصلنا الى الدرجة التي اقتنعنا بها أننا فقط نريد أن نعيش ، ولا نقتل .

صحيح أن غيرنا عانى وقاسى من بطش الحاكم ، ولكن نحن عانينا من بطش الحاكم ، وبطش الجمهور ، قتقوقعنا على أنفسنا بشكل رهيب ، وانعزلنا ، ورضخنا لرجال الدين ، كانوا هم مرجعيتنا بكل شيء ، وعشنا بفقر مدقع ، فقر متواصل وطويل جدا ، وجهل ، مصيبتنا الكبرى هي الجهل ، تقوقعنا وانكفائنا على أنفسنا ، وعدم انخراطنا ببقية مجتمعنا عبر مئات السنين ، خلق لدينا خرافات خاصة بنا ، وجهلا مركبا بل من الظلم أن نقول مركب ، هو جهل فوق جهل فوق جهل ، المجتمع بشكل عام كان أميا ، ونحن جهلنا كان مضاعفا عشرات المرات .

خوفنا على أنفسنا كان مبررا ، فقد أبدنا وقتلنا وروعنا ، وكانت عقائدنا سببا رئيسيا بموتنا ، بل وكنا محل تندر وتنكيت ومسخرة من جميع من يحيط بنا ، لأن عقيدتنا شملت أغلب الدينات السماوية ، وأخذت من كل بستان زهرة ، لم يكن لها معتقدات أحد هذه الأديان بشكل أساسي ، مما جعلها سخرية من الجميع ونبذت من الجميع ، أتكلم عن عصور كان الجهل سيدها وليس عن الآن ، ولكن أثر كل هذا يظهر اليوم بوقوفنا مع طاغية مستبد ، وحاكم ظالم فاسد ، وبتورطنا بالدم ضد أهلنا وإخوتنا ، ما أتكلم عنه قد لا يعني لسوري مسلم سني ، أو مسيحي ، أو سواهم ،  أي شيء فهو لم يعان تاريخيا هذه المعاناة ، لم يردد أهله على مسمعه آلاف قصص الظلم والإهانات ، لم يأمره أحد بالسكوت وعدم التصريح عن معتقده ، فلن يفهم السوريون ما أتكلم عنه ، لأنهم ببساطة لم يعيشوه ، صحيح أنهم عاشوا عبر التاريخ شيئا مم عشنا ، ولكنه كان يسيرا ممكن نسيانه وتجاوزه ، وليس مثلنا.

والحديث يطول والشجون تطول وسأكمل ما بدأت،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

عباس علي

المصدر: https://www.facebook.com/note.php?note_id=170515986367041

لماذا نحن ( العلويون ) مع الأسد – المقال 4 (4 مقالات)

إذا وصلنا إلى الستينات، برتب عسكرية رفيعة، ومناصب قيادية وأحلاف داخل الجيش تحل وتربط ، طبعا القصة معروفة، كم وجه سني أهبل بالواجهة، حتى لقب أحدهم بالجحش، وأبناء عائلات عريقة، ليسو بمستوى الساسة الحقيقيون، ببساطة، لم يكن أسهل من التلاعب بهم ،بلهاء بكل ما تحمله الكلمة من معنى،   أمسك رجال من طائفتنا بكل شيء، عرفو من أين تؤكل الكتف، القوة ، السيف أصدق أنباء من الكتب، الجيش، تغلغلو فيه، لن أطيل أصبح لنا ثقل كبير بالجيش، ولكن لم نتمكن تماما ، من السيطرة على الوضع، ما زال هناك حياة برلمانية، ما زالت الأصوات المدنية مسموعة، أبرز رجالنا كانا صلاح جديد، وخلفه حافظ الأسد ، هؤلاء الرجال الحقيقيون، الذين وصلوا إلى ما وصلو إليه، وكأنهم شقو نفقا بجبل مستخدمين إبرة، وطبعا الكل يعلم منزلة زكي الأرسوزي ، وغيرهم كثر، رجالات وهامات من الطائفة العلوية، أثبتو أن هذه الطائفة هي سوريا الحقيقية، لقد كان لرجالاتنا بتلك الفترة مجهود جبار، نحتو الصخر ووصلو، كان بيدهم أن يخرجو طائفتنا الى النور، ويظهرو وجهها الحقيقي لكل سوريا، وجهها المشرق البسيط الطيب ، كان أمل أبناء الطائفة العلوية بهم كبيرا جدا، إصطفت ورائهم الطائفة بكل قوتها، كان حلما يتحقق، أخيرا سنعيش.

إعتقد صلاح جديد، أن الأسد تابع تمام التبعية له، لم يخطر بباله يوما أنه سينقلب عليه، من منظور طائفي بالدرجة الأولى،، تقاسما كل شيء، ولكن بزيارته السرية الى إنكلترا ، إجتمع الأسد خلال أربعة أشهر مع بعض الفاعلين والمؤثرين الحقيقين على السياسة بالمنطقة، طرح نفسه بشكل غير مباشر، لاقى القبول والتشجيع، فهم الأسد أن اسرائيل هي مفتاح المنطقة، لم يخطط بداية بشكل واضح للإنقلاب، ولكنه أعد له كل ما يلزم، كوزير دفاع ، إستطاع إبعاد كل خصومه، بمن فيهم حلفائه أيضا، عن الجيش، إنشغل جديد بالدولة، وتفرغ الأسد لترتيب الجيش لنفسه، إختلف الرجلان بشدة بعد هزيمة 1967، إنسحاب الأسد العبثي الغير مفهوم من الجولان، كانت وجهة نظر الأسد هي حماية الجيش العربي السوري ، من التدمير، وكان جديد موافقا على ذلك ولكن ليس بتلك الطريقة المهينة، ، بدا واضحا أن مركز القوة أصبح بيد وزير الدفاع، فقد جرت محاولات للإطاحة بحافظ الأسد، ولكنه كان أقوى، إلى ان رفض الأسد كوزير للدفاع  تنفيذ أوامر القيادة السياسية ممثلة برئيس الجمهورية، ولم يزج بسلاح الطيران في الحرب بالأردن، ذاك السلاح الذي يدين بولاء كبير لوزير الدفاع، وصدر الأمر بعزل الأسد من منصبه، والترتيب لمحاكمته، فقلب الطاولة على الجميع، وسجن الأتاسي وجديد ، كان إنقلابا سريعا جدا، ومحضرا له بشكل جيد، وموافق عليه من أغلب القوى المؤثرة بالمنطقة، الأسد الأب كان مخططا جيدا، وبارعا في عقد التحالفات والولاءات.

ما تكلمت عنه بعشرة أسطر هنا، نحتاج إلى توثيقه، كأهم فترة في تاريخ سوريا الحديثة، لم يكتب بشكل جيد عن تلك الفترة، المراجع عنها قليلة، والمصادر مشكوك بها، تتبع بالدرجة الأولى لآراء كاتبها، نحن بحاجة إلى دراسة تلك الفترة، ومعرفة ما جرى بدقة، من أناس عاشو وعاصرو وشاركو بتلك الأحداث، بصراحة تحتاج إلى كتاب كامل، لا أدري إن حالفني التوفيق بهذا الإختصار الكبير لتلك الفترة المفصلية، نتيجتها كانت ما سمي حركة تصحيحية، لم يسمه إنقلابا، أراد أن يشير إلى إختلاف هذا الإنقلاب عن سواه، وفعلا كان مختلفا، السوريون بداية رحبو بالأسد، فقد كان هناك حنق كبير من هزيمة 67، ومن أداء سوريا المهين بتلك الحرب، وكان الناس ينظرون للأسد كإبن للشعب، عاش الفقر وعانى أشد المعاناة، إستغل الأسد الإعلام جيدا، روج لنفسه، غيب عن الناس البديهية التي تقول، أن وزير دفاع خسر حربا، بدل أن يعزل، يكافئ ويصبح رئيسا،  لم يكن دمويا ببدايته، إنقلابه كان سهلا وبسيطا ولم يشهد ذاك العنف أو الدم، سوريا بمجملها ، رحبت بالأسد، تأمل به الناس كل خير، في أن يقود البلاد إلى إزدهار ويعيد لسوريا هيبتها وكرامتها التي داستها إسرائيل بأقدامها.

لم يتأخر الأسد، كان يعرف جيدا ، بحكم مشاركاته بنفسه في الإنقلابات السابقة، فقد عرف كيف يتم طبخ هذه الإنقلابات، فسرعان ما أبعد كل الطهاة، بالنفي بالقتل بالتسريح بأي شيء، قصة محمد عمران مثلا، تظهر صلابة الأسد، فقد قتل أقرب الناس إليه، حين شعر بخطر قد يأتي منه،  المهم خلال سنة واحدة، ضمن نصف الجيش على الأقل، تم التخطيط لحرب تشرين، كانت كارثة أخرى على سوريا، فقد ثبت بها أن ما جرى للجيش على يد كبار الضباط، من تسريحات وتكتيكات وتحالفات وإنقلابات، جعلت ذاك الجيش ضعيفا مهلهلا، بدهاء الأسد الأب، إتفق مع القوى العظمى على رمي عظمة له ، وتصوير أن نصرا وهميا جرى، واحتفلت سوريا بالنصر، ورفع الأسد علما على أرض محررة، وتم الإتفاق على هدنة مهينة لسوريا، الأسد الأب كان ذكيا وواقعيا، فقد كان يعلم حال جيشه وضعفه، فهادن كنوع من التكتيك، عرف أن اسرائيل هي المفتاح، فهادنها، وعرف أنها المفتاح أيضا الى تثبيت سلطته،أطلق الشعارات ضدها، ناوشها هنا وهناك بعمليات صغيرة سخيفة لا تحرر شبرا، رضيت اسرائيل بهذا وشجعت عليه، أستغلها الأسد من أجل كرسيه برضاها ومباركتها، فصور نفسه بطلا بحرب وهمية ضدها، وعقد معها هدنة عسى ولعل يعيد بناء الجيش والدولة، ليغير بعضها من نهجه، هذا طبعا لم يحصل لاحقا.

إهتمام الأسد بالجيش كان كبيرا جدا، بحكم معرفته أن الجيش هو مطبخ الإنقلابات، أخذ يفرغ هذا الجيش من محتواه، خوفه من إنقلاب ، جعله يدمر الجيش، فقد سرح أغلب ضباطه الأكفاء شكا في ولائهم، أجرى تنقلات كثيرة جدا بصفوف الجيش، جعلت الكثيرين يعترضون، وكان نصيب المعترض التسريح، أخذ يضيق على أي ضابط مشكوك بولائه، كافئ ضباطه العلويين الذين إعتمد عليهم للوصول، سلمهم الفرق الرئيسية، إهتم بالأمن بشكل غير مسبوق، قسمه إلى أفرع كثيرة، جعل كل فرع مستقلا تمام عن الآخر، خوفا من إتفاقهم معا، وراقب بشكل جيد جدا، كل من هو مشكوك بولائه، لم يتردد أبدا بالبطش بأي محاولة للنيل منه، ولكنه كان قلقا، وخائفا من إنقلاب عليه، فأنشأ ميليشيات خاصة جديدة بالجيش، يكون ولائها خاصا به، بقيادة من يثق من أقربائه وطائفته، خلال عشر سنوات، أصبح الجيش تقريبا بمجمله يدين بالولاء للأسد، عبر ضباط مختارين بعناية، ومعروف عنهم أدق التفاصيل، كان يمسك بكلا منهم من رقبته بكل معنى الكلمة، لم يكن الأسد ممن يهمه بهرجات الدنيا، لم يكن جشعا محبا للمال، لم يكن نسونجي، كان شخصا محافظا، ولكنه أمسك جيدا برقاب مؤيديه ، قبل معارضيه، عبر ملفات فساد وسرقات ، كان كل شيء بيده، ويشعر مؤيديه بمعرفته لكل شيء، وأنه يتركهم يسرحون ويمرحون تحت لوائه، فإن شك للحظة بتزعزع هذا الولاء، لا يتردد بالبطش، بهذا التكتيك مع جعل القطع المؤثرة والفاعلة بالجيش حتى على مستوى العسكريين الصغار يدينون له بالولاء،  أمسك فعلا بالجيش والأمن، ودانت سوريا من الناحية العسكرية والأمنية له تمام الولاء.

أخطأ الأسد خطأ تكتيكيا كبيرا، حين تعامل مع الحياة المدنية، بنفس تكتيك تعامله مع الحياة العسكرية، فقد راقب الناس وأهدر أموال الدولة في سبيل ذلك، خوفه من إنقلاب جعله يراقب كل شيء، جعله يعطي الناحية الأمنية الأولوية، الناس بسوريا لم تعتد هذا، فقد كانت بلدا منفتحا، حرا، لم تعهد هذا القمع الرهيب، قرب إليه رجاله في المناصب المدنية، لم يهتم بالكفاءة، بقدر إهتمامه بالولاء، وطبيعي أن يثق بطائفته، فسلم رجالها مناصب ليسوا أهلا لها أصلا، ولكنه حافظ على شكل خارجي مقبول، وتحالف مع السوريين القبليين ، من أهل حوران وعشائر الرقة والدير، خوفه من أهل المدن ، جعله يعقد تحالفات، كان بارعا بحق، ولكن براعته كلها، لم تشفع له الظلم، ففي سبيل أمنه، ظلم ، أي معارض أو مشكوك بولائه، لم يتررد في سحقه، أسلوبه الأمني جعل الناس تكره حكمه، كطائفة ، خلال عشر سنوات، أنشأ من الطائفة ميليشيات عسكرية تابعة له، أعطى طائفتنا حقها، وفوق حقها ، سلطة، أعطانا السلطة، كنا كالمحروم من كل شيء، وفجأة أصبح لديه كل شيء، إهتم جدا بتنسيب طائفتنا إلى الجيش، ميزات رهيبة، بيت، سيارة، مال، عسكر كالخدم، فشيء طبيعي كإنسان محروم، أن تنجر وراء المغريات، فانجررنا خلفه كطائفة، وأصبح لا يخلو بيت من بيوتنا، من عسكري أو رجل أمن،

العشر سنوات الأولى، ضمن الأسد ولاء الجيش والمؤسسات الأمنية له، وخلق لنفسه تحالفات بكل سوريا، ورفع الأقليات وميزها عن بقية السوريين، وحوال أن يغير سوريا المدنية، إلى سوريا العسكرية، حاول أن يقضي تماما على مدنية سوريا، فكانت الثورة ضده، أحداث نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لم تكن حركة إخوان مسلمين كما إدعى الأسد، كانت إنتفاضة شعب حر أبي، يرفض القمع ويرفض الدكتاتورية، إنتفضت سوريا كلها، بم فيها قسم من العلويين، الحزب الشيوعي بشكل خاص، يذكر أبي تلك الفترة، كيف وزع مناشير، كيف أخذ يحرض كل من حوله، كيف كانت اجتماعاتهم السرية، كيف تحولوا إلى حركة مسلحة، كيف قاتلو، يذكر كيف كان يأكل وينام في بيوت رفاقه من السنة، كيف كان أصدقائه يعشقون فطائر الخبز بفليلفة التي كانت تعده لهم جدتي رحمها الله على التنور، كيف كان يخاف على أولاده وعائلته وأخفاها برا ضيعتنا خوفا من أن يعتقلو زوجته لكي يسلم نفسه، ثم كيف إعتقل ، وذهب من عمره تسع سنوات هدرا زار خلالها معظم السجون السورية فئة سبع نجوم.

ما حدث بالثمانينات، أن الحركة الإسلامية الإخوان المسلمين تحديدا، كانت أولا مخترقة من قبل الأسد، ثم كانت لا تقبل من ناحية دينية بتسلم السلطة لعلوي، إستخدم الأسد الإخوان وصورهم على أنهم من يقود حربا ضده، لكي لا يقال أن سوريا تنتفض ضده، وأقنع الغرب والدول المجاورة، أن هناك تيار إسلامي متشدد يريد تسلم السلطة، لربما هم كانو يريدون الإقتناع بهذا، لقاء ضمان مصالحهم عبر الأسد في المنطقة،  أخطأ الإخوان المسلمون وعقدو تحالفا مع الأسد، جرى إجتماع هام بدمشق، إتفقو خلاله على الصلح مع الأسد، في اليوم التالي، جرى تفجير قنبلة يدوية بالأسد نفسه، فداه حارسان شخصيان ، أحدهما مات، والآخر بقى يلاصقه كظله في كل مكان، كان عملية الإغتيال مدبرة من قبل الإخوان، إستغلو بها إتفاقهم مع الأسد وغدرو به، كشر الأسد عن أنيابه بشكل وحشي، مباشرة كان الرد بمجزرة سجن تدمر، ومن ثم ملاحقة كل إخوان سوريا ، عير قانون رسمي ، يحكم على المنتسب للإخوان بالإعدام ، كان إختراق الأسد للإخوان كبيرا جدا، فقد كان يعرفهم فردا فردا، شجعهم على إنشاء ذراع عسكري، وإعلان الجهاد، إستخدم الأسد الإخوان لتدمير سوريا، كانو كعادة المتدينين، لا يحسنون فن السياسة، لم يفطنو أن الأسد جعلهم واجهة ومطية ليركب سوريا كلها، فقد أصبح مثلا كبار الحشاشة، والقبضايات، من الإخوان المسلمين، حكى لي أبي عن شخص إسمه أبو علي الشريقي ، باللاذقية، كان حشاشا لا تنزل بطحة العرق من فمه ، كان ضبجي ، بمعنى يغتصب أطفال، المهم هذا الرجل ثار كنخوة وأنه قبضاي وشغل شوارع، فأخذ يقتل من رجال الأمن ، وقبضو عليه، وخرج على التلفزيون الرسمي، على أنه إخوان مسلمين، يضحك أبي قائلا، أن هذا الرجل لا شك أنه لا يعرف كيف يصلي،، ولا يعرف الله ولا حتى بالإشارة…..

بغباء الإخوان المسلمين، وتورطهم ببعض الإغتيالات السخيفة، ونظرتهم الضيقة للإنسانية من خلال الدين، إستغلهم الأسد الأب، وبطش ، وأي بطش، كان بطشا لا يصدق، كان رجال أمنه يدخلون أي مبنى سكني، يضربون الجميع بشكل هستيري، يقتلون أحد الرجال بشكل وحشي، أمام الجميع، أصبح صلاتك بالمسجد تهمة تذهب بك إلى السجن، كان البطش هو عنوان الكتاب ومضمونه، كلل بطشه بحماة، الجرح الذي لم يندمل إلى اليوم، دم حماة النازف، الذي لم يهدأ ضمير سوريا إلى اليوم من أجل حماة،

بنفس الوقت، قرب الأسد إليه رجال دين صوفيين، أكراد، كفتارو بشكل خاص، أطلق يده بكل سوريا، عرف الأسد أن الناس لا بد لها من دين، فتحالف مع كفتارو، وأطلق يده بسوريا، أصبح رجال الدين السنة بسوريا، جلهم من هذه الجماعة، إلى يومنا هذا، وهم في سبيل مصالحهم الدنيوية ، بيبيعو الله نفسوا بقرشين، والأسد لم يقصر معهم، أعطاهم الكثير، وجعلهم شركاء بالتجارة، أصبح التوجه السني السوري، صوفيا بحتا، مهادنا تمام لأي سلطة، ولكنه ، غطاء مزيف ، قد ينفجر بأي لحظة…

خلال ثلاث سنوات بطش الأسد بسوريا كلها، إعتمد ببطشه هذا، على من نظمهم خلال العشر سنوات، كميليشيات خاصة به، كانت بمجملها علوية الصبغة، سبق لي أن ذكرت، أنه شجعنا على الإنخراط بها، وأن البسطاء من شبابنا إنتسبوا لها وإستمتعوا بمغرياتها، صدق هؤلاء البلهاء ما قاله لهم رؤسائهم، من أن الإخوان المسلمين يريدون قتل العلويين، جعلوهم يقتلون سوريا كلها بإسم الإخوان، والأخوان ضحك عليهم الأسد ببساطة، ذراعهم العسكري كان مخترقا حتى العظم، حتى أن من أنشأ هذا الذراع العسكري، عاد إلى سوريا بمنتصف الثمانينات، وعاش بفيلا كبيرة بالمزة معززا مكرما، المهم ما جرى أنه إرتكب فظائع تقشعر لها الأبدان، بيدي شبان جهلة من حثالات الطائفة العلوية، الغريب أن هؤلاء الحثالات، فجأة أصبحو واجهة طائفتنا، غابت عائلاتنا العريقة ، مشايخنا ووجهاؤنا، أختفو، وحل محلهم حثالاتنا، مثلا آل الخير كمثال فقط ، طول عمرن وجهاء ومشايخ، أصبحو شيئا لا يذكر، بدل أن يخرجنا الأسد الى النور، أعتمد على سفهائنا في تشكيل ميليشيات، قتل بها سوريين بكل أنحاء سوريا.

بعد مجزرة حماة، دانت سوريا كلها، ركعت وسجدت للأسد، بالبطش، حقيقة كلمة البطش قد لا تعبر عن فظاعة ما جرى، إستخدم الأسد لبطشه هذا ، الإخوان المسلمين، بغبائهم ساعدوه بشكل رهيب، قصة حماة مثلا، ضحك عليهم صدام حسين، وجمع بعض الهاربين من سوريا وجندهم ودربهم ومولهم بالإضافة لبعض من جنوده، وعدهم بالدعم العسكري الخارجي، طبعا ضحك عليهم، كما ضحك عليهم الأسد، أعلنو الجهاد والإمارة الإسلامية بحماة، عصابة من خمسمائة شخص تريد أن تنشأ إمارة أسلامية، كانو مخترقين تماما، حركتهم تلك لربما تمت بتخطيط الأسد نفسه، وموافقته ومباركته لها، ومن ثم بطش بالجميع، حماة معقل الأصولية، دمرها عن بكرة أبيها، ساهم الأسد نفسه بنشر إشاعات حقيقية بأغلب الأحيان، عن البطش الرهيب، مما خلق الخوف، زرع بسوريا كلها الخوف، المخابرات أصبحت بدمنا، في منتصف الثمانينات، كطائفة علوية، كان سفهائنا ذراع الأسد الضاربة، ولم نتعرض كطائفة للبطش الذي جرى للسوريين، كحال بقية الأقليات، الأسد لم يكن غبيا، بطش نعم، ولكنه أيضا حالف، وتعاهد، وعمل صفقات، بدهاء شديد، قرب إليه أهل حوران مثلا، حوران اليوم فرط بها الغبي إبنه، كانت تعبد حافظ الأسد، المهم كطائفة علوية أصبحت غالبيتنا بالجيش والأمن، ميزات الجيش للعلوي كبيرة جدا، سلطة عسكرية، كل شيء ببلاش، سيارة، بيت، أكل ، شرب، العساكر كان الضابط يستخدم كل مهاراتهم بأمور شخصية، بكل بساطة بيبني بيتو وبيفرشوا بالكامل، من طاقم من العسكرين، ببلاش،  أصبح المجندون خدما للضباط، لم يعد الأسد الأب يهتم إلا بكرسيه، فتحول الجيش الى ميليشيات لخدمة الضباط، وإرهاب الشعب ، الأسد نفسه تحول شيئا فشيئا من رجل وطني مخلص، ومفكر كبير، ورجل داهية وسياسي بارع جدا، تحول إلى دكتاتور، وديكتاتور ظالم.

خلال حياته قرب إليه طائفته، سلمها كل شيء، مجرد كونك علوي كان يفتح أمامك الأبواب للتوظيف، للترقية، للقيادة،أعمت الدنيا أعيننا، تورط مجملنا معه، عشرون بالمئة من طائفتنا أصبحت فوق الريح، مال وخدم وحشم وسلطة وقوة، وثلاثون بالمئة أصبحوا من الطبقة الوسطى ، وفوق الوسطى، بينما بقي نصف طائفتنا فقيرا، ولكننا بالمجمل مع الأسد، ساد بيننا أن الأسد هو من إنتشلنا من الوحل الذي كنا فيه، بطريقة ما نسيت طائفتنا رجال أخر من طائفتنا، كان لهم  فضل أكبر بانتشال الطائفة، من مفكرين وسياسين، ونسيت رجال سوريا الحقيقيين بالفترة الذهبية من تاريخ سوريا، بالخمسينات والستينات، هؤلاء الرجال الذين فعلا آمنوا بكل سوريا بكل طوائفها وتنوعها، وصار الأسد كل شيء، هناك من طائفتي من يرفعه فوق الرب، لا نمزح بهذا، فهو مقدس بكل معنى الكلمة، الأسد الأب كان مخلصا أيضا ويعترف بالجميل، نظرتي الشخصية إليه، بالمجمل أراه عبقريا وشخصا مهيبا ورجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أعتقد أنه كان مخلصا ببداياته لسوريا، خلط بين مصلحته ومصلحة البلد، ولكن من أجل الكرسي، إنحرف عن الجادة والصواب، من أجل كرسيه خسرت سوريا، فرصة حقيقية لتصبح أهم دولة في المنطقة كلها، كانت بلدا تبشر بأنها ستكون منارة ، بقوميتها، بإنفتاحها، بعلمانيتها، بثقافتها، من أجل كرسيه، هجرها خيرتها، نخبة سوريا هربو خوفا من البطش، ولائك للأسد أصبح أهم شيء، حياتك متعلقة بهذا الولاء، هرب من سوريا ربما ما يقدر اليوم بعشرة مليون سوري، هم زبدتها هم خيرتها، وتحولت سوريا على يده من دولة هامة محورية، إلى دولة يعيش رجالها هم لقمتهم، وهم تأمين رغيف الخبز، وخوفا وقمعا لم تعرفه دولة بهذه المنطقة عبر التاريخ كله، بأشد لحظات التاريخ سوادا لم يمر على سوريا قمعا كقمع الأسد، لعب على بعض التناقضات الخارجية، ولكن الهدف كان كرسيه فقط، وليس مصلحة سوريا.

من أجل كرسيه، فرط بنا كطائفة، قد يكون صحيحا أنه حالنا أصبح أفضل بكثير من الماضي، لا مجال للمقارنة حقيقة بين ماضينا وحاضرنا، ولكن هذا كان سيحصل سواء أتى الأسد أم سواه، مع توجه سوريا القومي والعلماني بفترتها الذهبية، كانت طائفتنا حكما ستتحرر، وأجزم أن حالها كان سيكون أفضل لو إستلم الحكم سوريا غيره، من الطائفة السنية تحديدا، ما أقصده، ان سوريا كلها تطورت، ونحن سنتطور معها بشكل عام، مع الأسد، تطورنا أكثر، على حساب غيرنا، وتورطنا معه، من أجل كرسيه ، بالدم السوري، وهذا على المدى البعيد، سيطيح بنا إلى الجحيم، قد يندفع بعضنا ويقول، لا حياة لنا من غير الأسد، قد يكون هذا به الكثير من الصحة، ولكن، دعني أقول له، أن قصة إلى الأبد مستحيلة، لن يدوم لنا الحكم، لا بأسد ولا بسواه، هذا حال الدنيا، مستحيل أن يدوم، لعل تركيزنا على شعار إلى الأبد، محاولة ساذجة لتنسينا، أنه لا شيء إلى الأبد، فعلى عقلائنا ، إن بقي بنا عقلاء، أولا قبل كل شيء، التبرؤ من الأسد وعصابته وجرائمه، ومحاكمتهم جميعا، على جرائمهم، ثم التفكير بشكل جدي، بمخرج يكفل لنا الحياة الكريمة، لن نرضى أن نداس بالنعال كما في السابق، لن نرضى بحجة العدل أن يساق أغلبنا إلى المحاكم والسجون، لن نرضى بهذا، لا بد من حل ، لهذا أنادي بالدولة العلوية، المدنية العصرية العلمانية، التي لا أسد فيها، ولا شيء يشبهه، لم أجد حلا آخر.

عزيزي القارئ، الخلاصة،  نحن العلويون اليوم مع الأسد، بفضل ذاك العبقري أباه ، وليس من أجل بشار نفسه، فجلنا يعرف أنه غبي، ولكن حافظ الأسد لم يمت، ما زال يحكم سوريا من قبره……….

عباس علي

المصدر: https://www.facebook.com/note.php?note_id=175749509177022

لماذا نحن ( العلويون ) مع الأسد – المقال 3 (4 مقالات)

الإستعمار الفرنسي، اليوم ثبت لأي محايد، أنه ذو فضل على سوريا، لا بد لنا أن نعترف بهذا، أخرجناه وحررنا بلادنا منه ورفضناه ، نعم، ولكنه زرع بسوريا أساسات قوية، لسوريا الحديثة، أنشأ مدارس وجامعات، أحزاب ومؤسسات، نتندر اليوم بواقعة سجلتها كتب التاريخ، أن الجيش الفرنسي، حين كان يلاحق مطلوبا، ويدخل هذا المطلوب إلى دار عبادة، يتوقف فورا عن ملاحقته ولا يدنس دار العبادة بالعسكر، ونحن نرى ما نراه اليوم من جنون الأمن السوري،  حقيقة رغم كل ما فعله الفرنسيون فلا بد أن نعترف بآثارهم الإيجابية على بلدنا، ما يهمني أن سوريا إرتقت بتلك الفترة بشعبها، بالناس أنفسهم إرتقوا بشكل غريب جدا، إنتشر العلم، وإنتشرت القومية، وأنتشر فكر المساواة، وعدم الفرق بين الأديان والطوائف بمختلف أشكالها، كان للطائفة السنية بذلك الوقت فضلا كبيرا بارتقاء سوريا، بقيادة مسيحية وتوجيه مسيحي متواري تحت السطح، بذاك الوقت تعرف عائلتي شخصيا قسا مسيحيا ، أسمى إبنه اسما إسلاميا ، فقط على إسم صديقه المسلم، وهو قس خوري أبونا يعني صار إسمو أبو علي مثلا، السبب فقط محبة صديقه كما يقول ، بذاك الوقت مثلا نضال الأشقر أسمت أولادها عمر وخالد وهي مسيحية، لا يمكن فصل لبنان عن سوريا بتلك الفترة.

إنتشرت الأحزاب السياسية، إنتشر التعليم، نحن كطائفة علوية، يسكننا هاجس الخوف التاريخي، والظلم والجور المزروع بنفسيتنا منذ الصغر، لم نلحق بهذا الركب كما يجب، لكن قلة منا لحقت به، فتعلم بعض أفراد الطائفة بمجهود ذاتي، وضمن فقر مدقع، حافظ الأسد نفسه لو تعرفون كم قاسى إلى أن أخذ البكلوريا، كم كان يمشي فقط ليصل إلى المدرسة بطفولته، ليس مثل هذا الكديش إبنه الذي لم يعرف معاناة بحياته، كما شارك هؤلاء بالحياة السياسية، بالأحزاب ، وخرج منهم مفكرون ومؤسسو أحزاب، لكن التوجه الأكبر كان بإتجاه الجيش، فقد ساهمت الظروف بتوجهنا للجيش ، الفقر أولا كان أهم الأسباب، التي تمنعنا من إكمال التعليم حافظ الأسد مثلا بعد البكلوريا، ما كان يستطيع متابعة تعليمه فتطوع ضابطا، ميزات الجيش بالنسبة لنا كانت ميزات كبيرة جدا، بينما إعتبرها إخوتنا منقصة أن تكون عسكريا، عزف أغلب أهل السنة عن الإنخراط بالجيش فقد كان يعتبر عملا مهينا، بينما نحن إندفعنا ومعنا بقية الأقليات، وإنخرط ضباطنا أيضا بالعمل السياسي، فاختارو أحزابا علمانية ، نحن العلويون علمانيون بالفطرة، مذهبنا غير متشدد على الإطلاق، بل لربما يعتبر أفضل مذهب إسلامي يناسب العصر، لا نجد حرجا من فصل الدين عن الدولة بل لربما العكس نفضل هذا، أكثر الأحزاب التي إنتمينا إليها كانت، الحزب القومي السوري، والشيوعيون، والبعث، ولا مانع من التذكير، أن من كبار دعاة الحزب القومي بسوريا هم من آل مخلوف، الإقطاعيين، الذين تزوج حافظ إبنتهم أنيسة خطيفة، والذين تحولو من عائلة راقية مثقفة لها ثقلها بالمنطقة، إلى عصابة همجية دموية لا هم لها إلا تكديس المال والنفوذ والسلطة ، مؤسف جدا، حتى عائلاتنا الراقية التي كان يجب أن تقودنا إلى حال أفضل ، إنحدرت هي إلى الأسوأ.

حصيلة تلك الفترة الذهبية من تاريخ سوريا الحديث، كانت للمجمل السوري، إرتقاء بشكل عام وإنفتاحا على الآخر ، وتقبلا له، وفصلا للدين عن السياسة، ليس فصلا تاما، ولكن شيء جيد جدا مقارنة بم نراه اليوم،  حتى أن أهل درعا إنتخبو فارس الخوري، المسيحي، وجعلوه مسؤولا عن الوقف الإسلامي، هذه ليست نكتة بل حقيقة، ما يدل على الإنفتاح ليس إنتخابه، بل تسليمه ملف الوقف الإسلامي، من زكوات وأموال قصر وأيتام، يعني إنتخبوه مفهومة قد يكون تحالفات قد يكون محبوب قد وقد…..، ولكن أن يسلم من المسلمين أموال الوقف الإسلامي، فهذه لعمري يجب أن تسجلها كتب التاريخ الحديث، ولعل الأحزاب الإسلامية بتلك الفترة، كان أكثر إنفتاحا من أعتى الأحزاب الليبرالية اليوم.

تدخلنا بالإنقلابات العسكرية كان قويا، لم يكن بالبداية من أجل طائفة أو ما شابه، ولكن حين أصبح لدينا ضباط كبار بالجيش، أصبح كلا منهم يحاول تشكيل كيانه العسكري الخاص، الذي يضمن به ولاء شخصيا له، هذا الشيء موجود بأرقى دول العالم إلى اليوم، كل قائد يجلب من يثق بهم، ونحن أنشأنا كيانات خاصة بنا، وشيئا فشيئا أصبحنا قوة تستحق الذكر بالجيش، كان إرتباطنا ببعضنا قويا، فقد عشنا بنفس الظروف، ونفهم بعضنا نفهم معاناتنا نفهم مظلوميتنا، كثيرون منا خرجو من الطائفية إلى العلمانية، وتقدمت الطائفة بفضلهم وتطورت، ولكن ليس كما تطورت سوريا، لن أدخل بمتاهات الإنقلابات العسكرية، التي هي بنظري تدل على قوة وحراك الشعب السوري بذاك الوقت، فرغم كثرتها، لم تكن دموية، بالمفهوم الدموي الذي نراه اليوم،  وكان يغلبها بالنهاية الطابع المدني للدولة، بمعنى الإنقلابات كانت تغطي نفسها بغطاء سياسي مدني تحكم به، لم يكن حكم عسكر، بل كان مزيجا سوريا خاصا من مدنية وجيش، لعل التطور السوري حال بينه وبين الخلاص بسوريا إلى دولة حديثة فعلا، هو فصل الجيش عن الدولة، لو أن المدنية السورية إستطاعت فصل المؤسسة العسكرية عن السياسة تماما، لكان لسوريا وجه آخر، ولكن هذا لم يحصل.

مع هذا المد القومي الهائل للسوريين، وإرتقاؤهم الفكري وتسامحهم الديني ، برز نجم للقومية من مصر، ناصر، ركب ناصر موجة القومية، التي قامت بفكر السوريين، وأحسن إستخدام الإعلام، فانساق السوريين معه ، وعشقوه إلى حد الثمالة، أصبح حلما عروبيا يتحقق، وإندفعت الأحزاب بأذرعها المدنية والعسكرية ممثلة بضباط من مختلف أنحاء وطوائف سوريا، لدفعه إلى الوحدة، المد القومي للسوريين أعمى بصيرتهم، لم يفكرو جيد بأن ناصر أولا وأخيرا رجل عسكري، لن يتأقلم مع الحياة المدنية، لم يعرف المصريون نسيجا مختلفا كالنسيج السوري، فهم مثلا يعتقدون أن المسلمين جميعا مثل بعض، والدنيا عندهم مسلم وقبطي، بينما نحن سوريا بها ما يزيد عن مائة طائفة دينية، شرط ناصر الأساسي، كان يجب أن يرفضه السوريون، حل الأحزاب وإنهاء الحياة المدنية ، والتسليم له بكل شيء، يعني ديكتاتور بالمختصر المفيد،  ببلد يغلي قومية وفكرا وسياسة وأحزاب وعلم وثقافة، ليحكمه أخيرا ديكتاتور، المد القومي جعل ناصر بطلا، والسوريون تنازلو عن كل شيء من أجل تحقيق حلمهم، فسلمو ناصر كل شي.

أما نحن العلويون فقد كان لنا وجهة نظر أخرى، لم نرضى أن نسلم ناصر كل شيء، لم نثق به، فنحن رغم ترحيبنا بالمد القومي، وشعورنا بقرب نهاية الظلم الديني، لم نستطع أن نسلم رقابنا لعسكري مصري، حافظنا على تكتلاتنا، التي كانت كالحلم بالنسبة لنا،  داخل المؤسسة العسكرية، ومن غير المعقول أن نسلم حلما تحقق إلى من نجهل، مارس ضباطنا نفوذهم بحيث لم يتأثر ضابط علوي واحد ، ومن الأقليات الأخرى، شعرنا بأهمية الأقليات وتوحدها مع بعضها ، لم نأبه بم يجر لغيرنا وخصيصا للسنة بالجيش، جرت محاولات لإضعاف الجيش السوري ، عبر تسريح ضباطه الأكفاء، نحن لم يحصل معنا هذا ، فقد كنا على كثرتنا بالجيش، لكننا لم نكن بوجه المدفع، فحصل أن ضعف السنة بالجيش، واعتبرو أن الجيش لا دين له، بينما نحن الأقليات ديننا معنا لا نتركه أبدا، لأننا بفضله وبفضل تجمعنا حول معتقداتنا حافظنا على وجودنا، النتيجة النهائية كانت زيادة نفوذنا وقوتنا بالجيش، على حساب غيرنا، مع إنتماءات حزبية علمانية سياسية، كان حزب البعث أهمها ، فقد كان مثلا للمد القومي، مؤسسوه من أديان متنافرة، فكر وأحلام ومثاليات، يناسب عقلياتنا، كان ضباطنا الكبار مع بعض السياسيين، من طائفتنا وممن آمنو بسوريا واحدة لكل شعبها، كنا نعمل بقوة، إلى أن وصلنا إلى قيادات عسكرية فاعلة ومؤثرة ،وأصبح لنا نفوذ حقيقي وكبير جدا بالجيش،ونملك الكثير من الحل والربط،  فدعمنا ضباطنا وضباط الأقليات ، بحكم الفطرة والإنجذاب الفطري إلى من يشبهك، وساهمت الظروف والنظرة القومية للسوريين ، بعدم ممانعة وصولنا إلى رأس الهرم بكل معنى الكلمة بسوريا، وكانت الفرصة التاريخية الكبرى لنا، بتحويل سوريا تحت قيادتنا إلى دولة مدنية عصرية دينها القانون، بتأييد سوري شعبي عارم،أذكر هنا، إسالو آباؤكم كيف هبت سوريا كلها مرحبة بإستلام حافظ الأسد لرئاسة سوريا..

ليعذرني الجميع فالحقيقة أني سلقت الأمور سلقا كما يقولون وخلطت بعض الأمور ببعضها البعض لأصل إلى ما أريد، ولا أخفيكم أنني أعمل على كتابة كتاب ، عن مقالاتي الأربعة هذه ، وبمخيلتي قد يصل عدد صفحاته إلى الألف، وسأضمنه وثائق كثيرة، بدأت العمل عليه منذ ثلاثة أشهر، الأفكار العامة هي ما أوردته بالمقالات الثلاثة وسأنهيها بمقال رابع، عن فترة حكم الأسدين، وكيف سنحت لنا كطائفة علوية فرصة رائعة، ضاعت منا ولن تتكرر أبدا،، وأعتقد أنني سأنهي كتابي بظرف ثلاث سنوات، بمساعدة بعض المخلصين ، سأوثق قدر الإستطاعة ، وسأصوره بنفسي، وأطرحه بكل مكان مقروء على الإنترنت، إلى أن تتغير الظروف، وأطرحه بإسمي الشخصي دون خوف لا من طائفتي، ولا من سواها……….

عباس علي

المصدر: https://www.facebook.com/note.php?note_id=173563699395603

%d مدونون معجبون بهذه: